مغتربو سوريا، بين الالتصاق بالهوية والتخلي عنها

CC.jpg

بعد سنوات عجاف عانى فيهن الشباب السوري من شتى أنواع الكوابيس، الملاحقة الأمنية وشبح التجنيد للجيش والركض خلف لقمة المعيشة وغيرها الكثير، أصبحت الهجرة من هذه البلاد الحل الوحيد أمامهم، فأصبح الشباب السوري منقسمًا بين مهاجر أو يحلم بالهجرة أو يائس لعدم قدرته عليها.

ومن بين الدول الأوربية التي فتحت أيديها للسوريين، كانت «ألمانيا» الأكثر استقطابًا للاجئين والمسافرين وأصبحت كما يصفها كثيرون «كعبة العلم» لدى الشباب العرب.

وأمام واقع الاغتراب غير المسبوق كمًا ونوعًا، وفي ذلك الفردوس الأوروبي، يجد الشباب أنفسهم أمام دنيا غير تلك الدنيا التي ألفوها، وفي عالم غير ذلك العالم الذي ولدوا فيه، وهذا يضعهم أمام واقع وتساؤلات لا بد من مواجهتها، فالسوري على أرض أوروبية يقف حائرًا ممزقًا، يحمل وطنًا مدمرًا في ذاكرته، وبلدًا مليئًا بالحياة تحت قدميه، وهو بين هذا وذاك منقسم محكوم عليه بإحدى خيانتين، إما أن يخون وطنه الأصلي أو يخون البلد المضيف، ذلك الاختيار الذي يتجرعه حتمًا كل مغترب بمرارة وغصب.

وإذا جاز لنا أن نطلق على ثقافة المرء ومجموعة قناعاته وانتماءاته اسم «الهوية» فيمكننا أن نطلق على الصراع الذي يقسم المرء بين أرضين أو ثقافتين اسم «صراع الهوية»، ويمكننا إذ ذاك أن نلاحظ ثلاثة تيارات رئيسية، أو وجهات نظر ثلاث في التعامل مع هذا الصراع:

«الوطن حيث تكون بخير»

ينظر كثير من المغتربين إلى البلد المضيف بوصفه بلدًا ذا ثقافة وقيم ومعتقدات محددة، ويرون أن المهاجر (إذا وضعنا موازين القوى في الاعتبار) عليه أن ينصاع لها ويواجهها، و أن يضحي بهويته قربانًا للهوية الأخرى الأقوى. فالمغترب من هذا التيار يخشى أن يُرفض أو يُهان باعتبار هويته، ويتجنب أي موقف يحمل له السخرية أو الشفقة، شعارهم قول الشاعر القيرواني: دارهم ما دمت في دارهم .. وأرضهم ما دمت في أرضهم.

يقول مؤمن (26 عامًا) «حين ترفضك ثقافتك العربية، وتطردك بلادك، فإن الحل الوحيد والذكي أن تتركها». أما عمر (21 عامًا)، وهو لاجئ في ألمانيا، يسعى أن يبدو ألمانيًّا وأن يتقن الألمانية ويتجنب جاهدًا أي موقف يدلل على هويته أو ديانته أو بلده، لأن هويته بنظره منقوصة ومزدراة ومن المريح إخفاؤها للاندماج مع المجتمع. وأما عن الوفاء للوطن فيقول عمر «ألمانيا قدمت لي ما لم تقدمه لي سوريا، والوطن ليس حيث تولد، بل حيث تكون بخير».

الهوية كمصدر للاعتزاز، الهوية كتعريف

يرى قسم كبير من السوريين في ألمانيا أن هويتهم وثقافتهم هي ركن أساسي لوجودهم، فالإنسان بلا هوية برأيهم لن يكون ذاته ولن يكون أبدًا ألمانيًّا. وهؤلاء الذين حطوا رحالهم على الأرض الأوروبية وبقيت عقولهم مطبوعة بثقافتهم القديمة، وقلوبهم متعشقة برائحة أوطانهم، يبحثون دائمًا عن وطنهم في المغترب، ويلتمون على كل ما له رائحة الوطن، ويمكننا أن نلاحظ ذلك في المطاعم السورية مثل مطعم city express الذي يقدم»الشاورما السورية» في بون، و»باب الحارة» في برلين.. وكثير من الأماكن المشابهة التي يقصدها السوريون ويلتمون فيها من مختلف مدن ألمانيا.

معظم الأشخاص من أصحاب وجهة النظر هذه يقتصرون في علاقتهم مع الثقافة الأوروبية على أسلوب: «الحقوق والواجبات» و«المصالح المشتركة»

«عامر» مثلًا، شاب سوري مقيم في ألمانيا منذ خمس سنين، يعمل في شركة مرموقة، ويحقق نجاحًا وتقديرًا، لكن علاقته بألمانيا ليست أكثر من علاقة «منفعة متبادلة» أما زوجته وأطفاله ونمط حياته وعلاقاته الخاصة فهي تنتمي لبلده الأم وبذلك يجد روحه وراحته وانتماءه.

وعن ذلك يقول طارق (21 عامًا) «نمط الحياة الأوروبية جعلني أكثر تمسكًا بثقافتي القديمة التي كنت غير مبال لها»، ويضيف «أصبحت أصلي الفجر رغم أني لم أكن ممن يصلون الجمعة في سوريا، وأصبحت ملتزمًا رغم أني كنت أقضي وقتي في ملاحقة الفتيات في الشعلان».

وهؤلاء يجدون أن تمسكهم بهويتهم مريح بالنسبة لهم، وغير مؤذٍ للبلد المضيف، إلا أن البعض ممن تمسك بهويته حوّلها إلى لواء لتأكيد الاختلاف، بعض الإسلاميين الذين يرتدون الثياب السلفية مثالًا.

«الهوية جسر عبور إلى الآخر»

بين الذين اعتصموا بهويتهم في مواجهة الهوية الأخرى، وأولئك الذين تخلوا عنها في سبيل الآخر، حمل آخرون وجهة نظر وجدوها الأكثر مناسبة لهم، فهم يحاولون أن يتمسكوا بهويتهم قدر المستطاع ومع ذلك يسعون للاندماج في الهوية الأخرى، وهذا برأيهم هو الصيغة الأكثر توازنًا.

يقول أبو مازن (سوري يحمل الجنسية الألمانية) «التوازن هو في احترام كلا الهويتين، هويتنا وهوية البلد المضيف، دون انبهار ولا ازدراء»، ويضيف أن «من يعتز بهويته اعتزازًا أعمى سيعمى عن رؤية مالدى الآخر من حسنات، ومن ينبهر بها ويشعر أن ثقافته بلا قيمة وديانته بلا اعتبار وهويته منقوصة فسوف يحارب نفسه، وبالتالي يعادي الآخر ضمنًا».

أما ورد (20 عامًا) يتحدث عن «إرادة الانفتاح» على الآخر، معتبرًا أن لدى الشعب الألماني الكثير لنتعلمه منهم مضيفًا أن الألمان يحترمون الهويات المختلفة وأن لدى الإنسان قدرًا من الحرية ليمارس ما يؤمن به دون مضايقة.

وبين من يرى أن الهوية عائق أمام الاندماج في حضارة الآخر إذ إنه لا يمكنك أن تفهم الآخر مالم تجرب حذاءه، ولا يمكنك أن تجرب حذاءه مالم تخلع نعليك، وذلك الذي يرى أن علاقتك مع الآخر بدون حذائك ستبقى علاقة تبعية واستلاب حضاري، تتعدد وجهات النظر وتختلف أشكال الصراع السوري بعدد السوريين، ففي ظل اختلال الموازين واختلافها، يسعى كل سوري أن يجد ميزانه الخاص به، ومازالوا يسعون

تابعنا على تويتر


Top