السوري المشرد

أحمد الشامي

الموت حق، لكن هذا «الحق» له نكهة خاصة حين يتعلق اﻷمر بمن شاء حظهم العاثر أن يولدوا فيما كان يعرف بـ «سوريا».

في الداخل السوري، توقف عداد الشهداء عند رقم المئتي ألف شهيد منذ أكثر من عامين، ﻷن «العالم المتحضر» قد مل من تعداد الضحايا والمجازر.

إن كان كل سوري في الداخل هو «مشروع شهيد» بطريقة أو بأخرى، فكل سوري في الخارج هو «مشروع مشرّد»، حتى لوكان مقيمًا ويحمل جنسية من «بلاد اﻷكابر».

الموت والتشرد هما ما يوحّد السوريين، في الداخل والخارج وما بينهما، في سفن الشحن والزوارق التي تغرق في المتوسط، على الحدود المحصنة مع الجيران من «الأخوة» ومن غير الأخوة.

من يصل إلى بلاد الغرب ويظن أنه قد نجا، سوف يدرك مدى غربته كل يوم، خاصة حين تحين ساعته، وقتها يجد السوري نفسه وحيدًا، إلا من رحمة ربه ومن تعاطف بعض ذوي القلوب الكبيرة. بالنسبة للسوري، كل أرض هي «مشروع مقبرة».

هنا يتشابه اﻷلم السوري مع ماضي المحرقة والتشرد اليهوديَيْن. بالنسبة لليهود، العودة إلى الأرض الموعودة هو الحلم اﻷسمى. واليهودي المؤمن، ولو قليلًا، يطمح إلى أن يدفن في «أرضه المقدسة». هذا ما ينتظرنا نحن السوريون المشردون في أقاصي اﻷرض.

نعم، فالسوريون الذين يموتون في الخارج يموتون «مشردين» ولو كانوا يحملون جنسيات كل بلاد اﻷرض.

هل قدر السوري هو الموت على ما بقي من بلده أو التشرد ثم الموت وحيدًا في أرض ليست أرضه وبين أناس ليسوا أناسه؟ لولا بعض اﻷنقياء ممن سبقونا إلى المهاجر، وخاصة من اﻷخوة المغاربة، لما وجد السوري من يصلي على رفاته بلغة الضاد.

تبدو المحرقة السورية وكأنها تختصر كل مآسي التاريخ، فماذا بقي من مصائب لم تقع برأس السوريين؟ من الحكم الظلامي للعصابة اﻷسدية وشبيحتها، إلى المجازر التي لم تتوقف منذ الثمانينيات، ناهيك عن الطرد والسجن والقمع والاغتصاب، مرورًا بالتهجير المليوني والاقتلاع المنظم والحشر في خيام مهترئة وباردة، بعد الاختناق بغازات اﻷسد.

ليس السوري وحده من يموت، فالحس اﻹنساني قد مات أيضًا ومثله «أمة المليار».

تابعنا على تويتر


Top