نهاية رجل في الثمانين

10.jpg

إنها حكاية رجل في الثمانين من عمره..

إنسانٌ مكافحٌ ذو همةٍ عالية، له هيبته بين الناس، أمضى عمره يعمل في أرضه، حياته بُرمجت على وتيرة واحدة، يستيقظ فجر كل صباح باكرًا يصلي الفجر وينطلق على دراجته مسرعًا مملوءًا بالشوق لأرضه التي يمضي طيلة نهاره بالعناية والاهتمام بها، ليعود أدراجه عند مغيب الشمس حاملاً معه بعضًا من ثمارها لأهل بيته.

اعتاد أهل البيت أن يعود الرجل عند مغيب كل يوم، يضع مفتاح بيته على الباب ليدخل مع دراجته ملقيًا نظراته في أنحاء المنزل منادٍ بصوت عالٍ -كعادة الفلاحين- ليرى من في الدار، يتناول عشاءه ويختم نهاره بصلاة العشاء ثم ينام على صوت مذيع الأخبار في مذياعه الخاص الذي يملأ صوته أرجاء المنزل. كذلك تسير حياته، لم ترهبه طلقات الرصاص وأصوات الانفجارات، ولم يكترث لجيوش النظام ودباباته فبرغم الحصار الشديد الذي لف المدينة كان يذهب إلى أرضه ويعود منها كأن شيئًا لم يكن.

لكن يوم الخميس 23 آب 2012 لم يجر كالمعتاد، يومها تم حصار المدينة بالكامل وتم إغلاق كل مداخلها ومخارجها ثم بدأ ضربها بالصواريخ وقصفها بشدة لم يسبق لها مثيل، ذهب الرجل كعادته إلى أرضه، لكنه هذه المرة لم يعد إلى بيته كما هو معتاد! مضى اليوم الأول والثاني والثالث ولا خبر لأهله عنه، لم يعتد أهله على غيابه المفاجئ! هنا بدأت الأخبار تنتشر حول اختفائه والأهل يصرون على تكذيب أي من تلك الأخبار، كان الأمل بعودته ما يزال مزروعًا في نفوسهم، فهو رجل مسن، ما حاجتهم لاعتقاله! فهو لم يشارك بالمظاهرات ومن غير المعقول أن يكون عنصرًا في الجيش الحر!! وتمضي ثلاثة أيام أخر ولا خبر لأحد عنه، لم يبق من مكان للبحث عنه إلا بين الجثث فكلما وصلت جثث جديدة إلى مقبرة الشهداء كان أولاده يسارعون لرؤيتها علّهم يجدونه هناك. كانت تختلط مشاعر الحزن والقلق من أن يكون بين الجثث مع مشاعر الراحة والاطمئنان عندما لا يجدونه بينهم لتعود الحيرة من جديد أين هو إذًا.؟؟!!

عند ظهيرة يوم الثلاثاء 28 آب 2012 تلقى الأهل اتصالًا مفاجئًا يخبرهم أن جثثًا جديدة وصلت إلى المقبرة وأن رجلًا في الثمانين من عمره بينها، هرع الأهل مسرعين ليتأكدوا من الخبر، كشفوا الأغطية عن الموتى، وكانت الصدمة المؤلمة..!! لقد كان بينهم.. عرفوه من بعض ملابسه، كان ملقيًا على وجهه مربوط اليدين والقدمين.. لقد كان مشوه الوجه والرأس أيضًا!!

الشهيد صبحي أمين العبار من مواليد داريا 1935، يعمل فلاحًا في أرضه وهو أب لثمانية أبناء، قضى شهيدًا يوم الخميس 23 آب 2012 أثناء الحملة العسكرية على مدينة داريا على أيدي قوات النظام

تابعنا على تويتر


Top