الجزء الأول: في ظل الاحتلال الفرنسي

ترسيخ الطائفية في سوريا، كيف بدأ ومن وراءه؟

لم يكن الشعب السوري يومًا طائفيًا، ولم يتعامل وفق هذا الأساس على الإطلاق، إلا أن البعض عمدوا إلى خلق الظاهرة من أجل بسط النفوذ والسيطرة وبناء أمجاد للأسرة أو الطائفة على حساب الآخرين، وقد سعى الاحتلال في سوريا وكرّس هذا الأمر ثم وجده هؤلاء فرصة للتسلق والاستحواذ، ما نجني نتائجه حتى اليوم.

القوات الخاصة للشرق

خلال فترة الانتداب الفرنسي أسست فرنسا جيش الشرق عام 1921، والذي بلغ تعداده 70 ألفًا، وكان يتألف من المغاربة والفرنسيين والأفارقة، ثم خفض وتأسست قوات داعمة له تحت مسمى “القوات الخاصة للشرق”، كفرق أمن داخلية مهمتها حفظ النظام وقمع الثورات داخل المدن وكان تعدادها عند التأسيس عام 1924، 6500 مجند، ثم وصل العدد عام 1935 إلى 14 ألف مجند.

وكانت هذه القوات من الأقليات الدينية وبالأخص العلوية، بينما شكلّت قوات إضافية كالدرك والشرطة، وأصبحت القوات الخاصة للشرق هي نواة الجيش السوري واللبناني فيما بعد.

في حين رفض المجتمع السوري وبالأخص الأسر المسلمة السنية بأعراقها الانخراط بالجيش بل لجأت أعداد كبيرة من الشباب إلى المقاومة المناهضة للاحتلال الفرنسي.

وكانت فرنسا وقوات الحلفاء تنظر في ذلك الوقت بالنسبة لمصالحهم نظرة استراتيجية طويلة المدى، فإن اضطرّت فرنسا للانسحاب من سوريا أو غيرها تريد الإبقاء على ما حققته ورسمته من التقسيم، وإبقاء أهل الولاء لها متحكمين.

وعليه، رأت فرنسا أن بعض الأقليات التي منحت ولاءها للاحتلال هي الضامن لاسيما أنها أيضًا تختلف بعقيدتها وأفكارها عن أهداف المجتمع عمومًا وطموحاته في التحرر والاستقلال؛ وقد سعت فرنسا لبسط نفوذ بعض الأقليات لا سيما العلويّة بشكل أساسي واستعمالهم أداة لمناهضة حركات التحرر والنهضة العربية والإسلامية في المنطقة.

كما سعت في لبنان لدعم المسيحيين كي يصبحوا أصحاب نفوذ، وبذلك تحكم القبضة على الشعوب في منطقة بلاد الشام، وسيصبح لفرنسا حلفاء في المنطقة حجر عثرة ضد أي نهوض في المنطقة.

ويستمر الاحتلال الأجنبي، ولكن بشكل آخر غير مباشر، من خلال دول مستقلة شكليًا إداريًا وسياسيًا لا تملك استقلالية القرار، فقد تم إزاحة الدولة العثمانية (الرجل المريض) وتوزيع التركة في المنطقة، مستغلين متعصبي القومية العربية والمتطلعين للوصول للحكم الذين خدعوا بقيام دولة عربية مستقلة بحكم الأشراف، ولكن أطماع الاحتلال وأهدافه الخفية كانت خلاف ما أعلنه.

ثم بدأت سياسة فرنسا تتغير في مطلع الثلاثينيات لأسباب عدة منها المقاومة الشعبية السورية والتغير في القيادة الفرنسية والحكومة الاشتراكية.

إنهاء الانتداب

تشكل وفد سوري لوضع معاهدة لإنهاء الانتداب وإلغاء التجزئة، وهنا تصاعدت مراسلات العلويين لحكومة فرنسا ترفض إلغاء استقلالهم، لكن فرنسا شكلت حكومة سنة 1936 ثم اعترفت فرنسا بمنح سوريا استقلالًا مشروطًا.

ولما بدأت الحرب العالمية الثانية سنة 1939 أعادت فرنسا الحكم العسكري في سوريا، لكن استمرار المقاومة الوطنية والتنافس البريطاني الفرنسي إلى إجبارها على منح سوريا الاستقلال سنة 1941.

وفي سنة 1943، انتخب شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية السورية المستقلة، وبقيت فرنسا مصرة على الاحتفاظ بقوات الشرق الخاصة، وعام 1945 قدم الجنرال بينيه مذكرة أن فرنسا مستعدة لتسليم الجيش مقابل وضع قواعد عسكرية لها في المنطقة.

مجلس النواب السوري رفض المذكرة وأصدر “قانون حماية الاستقلال”، مقرًا عقوبات ضد من يخدم دولة أجنبية، فقامت فرنسا بتصعيد العمل العسكري لينظم الشعب السوري إضرابًا عامًا ومظاهرات بعدد من المناطق أشدها حلب.

قصفت القوات الفرنسية المدن بالطائرات والمدافع ثم انسحبت إلى مناطق العلويين وبدأت تسلم الثكنات حتى إكمال الانسحاب من المنطقة الساحلية في 17 نيسان 1946.

زال الاحتلال الفرنسي ولكن حالة غير طبيعية من ضعف القدرات والخبرات والإمكانات وضعف الولاء للسلطة المركزية شهدتها البلاد، في ظل نفوذ الأقليات في المؤسسات العسكرية والمدنية، وقد لعب الجيش السوري الذي أعدته فرنسا بعد الاستقلال دورًا بارزًا في الحياة السياسية والانقلابات.

ففي أحسن أحوال الجيش عندما بدأ يجند أبناء السنة كانت نسبتهم من 30 و50 بالمئة خلال الفترة 1930 – 1943، في حين تصل نسبتهم بالنسبة لعدد السكان إلى 80 بالمئة.

وقد ظهرت حالات من التمرد في مناطق العلويين في الساحل وفي جبل الدروز، لا سيما بعد الاستقلال الجزئي عام 1943، وتعيين شكري القوتلي حيث بقي الجيش بيد فرنسا والدولة بمؤسساتها المدنية مستقلة.

 

تابعنا على تويتر


Top