«في حرب غير متكافئة وحدهم المدنيون يتساقطون»

دير الزور بين رصاصتين .. 300 ألف محاصر 40 بالمئة منهم أطفال

-لقصف-حي-الحميدية-بالمقاتلات-الحربية-تصوير-ابو-عبدالله-دير-الزور1.jpg

«وحيدة تطحنها رحى التنظيم والنظام»، هكذا يصف أهالي ديرالزور حال مدينتهم التي باتت تتلقى الضربات من الجانبين بصبر وصمت.

المدينة التي تعيش أوضاعًا صعبةً بعد أن قسمتها الحرب إلى شطرين توزع بينهما الأهل والأخوة الذين حافظوا على تواصلهم رغم تغير السلطات الحاكمة في طرفي المدينة واختلاف الاتجاهات.

ما بين ضفتين

مضى عدة أشهر على بداية الحصار المشدد الذي فرضه تنظيم الدولة «الإسلامية» على أحياء الجورة والقصور وهرابش، مانعًا الدخول إليها وقاطعًا عنها الغذاء والدواء.

عائشة التي تدخل عامها الثلاثين أمٌ لـ 5 أطفال كانت تعيش في حي الحميدية مع عائلتها قبل أن تعبر إلى مناطق سيطرة النظام، لكنها اليوم محاصرة في حي الجورة بعد صدور قرارات تنظيم «الدولة» بحصار هذه المناطق ومنع الدخول اليها.

وتقول لعنب بلدي بحرقة ’’أنا اليوم محاصرة هنا لا أستطيع الخروج مخافة منعي من العودة ’’، ثم تجهش بالبكاء وهي تصف حال أطفالها الذين لا يملكون معيلًا سوى معاشها ومعاش زوجها ولذا فهي مضطرة للقدوم كل شهر إلى حي الجورة لاستلامها.

وتشير عائشة إلى كثيرٍ من الأهالي الذين يشبهون حالتها ولا يستطيعون عبور النهر نحو الضفة الأخرى، خوفًا من عدم السماح لهم بالعودة واستلام معاشاتهم ’’ليس لنا مصدر دخل آخر وسنموت جوعًا إن توقف’’.

تفضل هذه المرأة العيش في بيت صغير استأجرنه مع عدد من النسوة، وتتحمل مشقات البعد عن عائلتها مقابل تأمين مردود مالي مستمر ترسله تباعًا إلى أطفالها الذين تصفهم بالمحاصرين أيضًا تحت سكين تنظيم «الدولة» وقوانينه المتشددة.

تحت الحصار

أحمد، أحد أهالي حي الجبيلة، نزح إلى حي الجورة بعد رحلة طويلة من التنقل مع عائلته بحثًا عن مكان آمن يضمه مع عائلته التي تنقلت بين عدة مناطق قبل أن تستقر في حي القصور، ورغم ارتفاع الإيجارات وأسعار المواد، إلا أن هذا الشاب يجد نفسه مجبرًا على ذلك كما يقول لعنب بلدي ’’أنا معرض للفصل من عملي في حال الغياب».

قصص متعددة يرويها أحمد عن تنقله مع عائلته من العيش في خيمة في بادية ديرالزور هربًا من القصف إلى انتقاله نحو ريف الحسكة، ثم عودته مرة أخرى إلى ديرالزور بعد استعار المعارك في تلك المنطقة بين الفصائل الكردية وتنظيم الدولة.

ويردف أحمد «أنا ضد هذا النظام المجرم لكنني مجبر على العيش في هذا المكان حفاظًا على رزق أولادي، لقد تعبنا من التنقل وها نحن اليوم أمام نزوح جديد على الأبواب».

لم يبقَ على شاطئ «معبار البغيلية» الذي كان الأهالي يستخدمونه للتنقل بين المناطق المحررة (في الجزيرة) والمناطق التي يسيطر عليها النظام (الشامية)، سوى سفينتين علاهما الصدأ بعد أن صادر التنظيم أكثر السفن بحجة منع التهريب نحو الأحياء المحاصرة.

المعبر فارغ اليوم، إلا من مستفسرين عن حاله صباح مساء يدفعهم الأمل والإشاعات التي تتردد بين فينة وأخرى عن «حل قريب».

قصف عشوائي

وفي تطوّر هو الأول من نوعه منذ سيطرة «الدولة الإسلامية» على الأحياء المحررة من ديرالزور في منتصف آب 2014، أقدم التنظيم على قصف الأحياء التي يسيطر عليها نظام الأسد في المدينة بعدد من قذائف الهاون، التي توزعت بشكل عشوائي موقعة عددًا من الضحايا المدنيين.

أبو محمد، قائد في الجيش الحر لأحد الفصائل التي كانت تقاتل في المنطقة قبل أن يجبره تنظيم الدولة على الانسحاب ويطرده مع مقاتليه، يؤكد لعنب بلدي أن «قتال النظام لا يعني استهداف المدنيين الذين لا ذنب لهم سوى وجودهم في مناطق سيطرته’».

بدأ قصف التنظيم في 21 آذار الجاري مستهدفًا فرن خالد بن الوليد وجامع التوبة في حي الجورة، شارع الوادي، فلوجة الطب، حي القصور، بينما شهد يوم 23 منه سقوط قذائف في إعدادية البلدية، دون سابق إنذار للسكان الذين يبلغ عددهم قرابة 300 ألف، 40 بالمئة منهم أطفال دون الـثامن عشرة.

حسين، أحد الناشطين في ريف ديرالزور، علّق على هذا القصف بالقول «قذائف التنظيم كان من المفترض أن تستهدف الفروع الأمنية ومقرات النظام التي تضم مقاتليه وشبيحته بدل أن تنهال على روؤس المدنيين الذين لايجدون مكانًا يحتمون فيه من قذائف عمياء نسبة الخطأ فيها كبيرة».

إقامة جبرية

«في حرب غير متكافئة، وحدهم المدنيون يتساقطون دون أي قدرة على حمايتهم»، بهذه الكلمات تشير أم قاسم إلى حال الأهالي في مدينتها.

المرأة الأربعينية تقيم اليوم في «السكن الشبابي» المجاور للمشفى العام في ديرالزور والخاضع لسيطرة قوات النظام، محتضنة أربعة من أطفالها بعد أن استشهد والدهم تحت التعذيب في سجون الأسد لتروي قصة تنقّل مريرة قبل أن يستقر بها المقام في هذه الغرفة مع أطفالها.

كثيرون في المناطق التي يسيطر عليها النظام أرهقهم التشديد الأمني الذي تفرضه قواته والميليشيات التابعة له، ودفع بهم ضيق ذات اليد وارتفاع تكاليف المعيشة إلى التفكير في الخروج من هذه المناطق، إلا أنهم يخشون مغادرتها خوفًا من حكم التنظيم المتطرف وأحكامه المتشددة.

ريم، إحدى طالبات كلية الحقوق، تبرر عدم خروجها من هذه الأحياء بالقول «هنا بقية من حياة وتعليم ودولة وهناك كثير من موت ورعب وظلام»؛ هذه الفتاة التي تصف نفسها بإحدى ناشطات الحراك السلمي تؤكد رفضها للنظام السوري ورغبتها برحيله، لكنها تصر على رفض التنظيم أيضًا الذي ترى فيه وجهًا أكثر سوداوية للنظام.

بين القذائف والبراميل

على صعيد متصل وفي الطرف الآخر من مدينة ديرالزور الذي يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية كثف الطيران الحربي التابع لقوات النظام من غاراته الجوية رافعًا تعداد البراميل التي درج على إلقائها فوق الأحياء المدنيّة في شطرها الخارج عن سيطرته.

الناشطون في ديرالزور يرون أن لا مسافة كبيرة تفصل بين الطفل علي الحمادة، الذي قضى جوعًا في حي الجورة بسب نقص الغذاء، وبين الطفلين عمار وأسد اللذَين استشهدا نتيجة لقصف الطيران منزلهم في بلدة جديد عكيدات التابعة لريف ديرالزور الشرقي، معتبرين أن «القتل واحد أيًا كانت وسائله وأدواته».

وفي حين تستمر نداءات الناشطين للمجتمع الدولي بغية رفع الحصار الذي يفرضه تنظيم الدولة الاسلامية على مناطق النظام، يتابع النظام قصفه للمدنيين المتواجدين في المناطق الخارجة عن سيطرته دون أي رادع.

يقول أبو رامي، أحد سكان حي الشيخ ياسين الذي تعرض لقصف من الطيران الحربي واستقبل العشرات من براميل الموت خلال الفترة الماضية، «لست أدري بأي ذنب يقتل أطفالنا كل يوم عبر قصف الطيران والبراميل»، مضيفًا «النظام يتجنب قصف مقرات التنظيم رغم وضوحها فأغلب القصف يبتعد عن المواقع العسكرية وينصب على أهداف مدنية».

أغلب ضحايا القصف هم من المدنيين نتيجة تحصن المقاتلين بمقراتهم وسراديبهم تاركين المدنيين في الواجهة، وفي بعض الأحيان يجعلون منهم دروعًا بشرية يحتمون خلفها عبر اختيار مقراتهم بين البيوت أو في سراديبها.

ويشير العديد من الحقوقيين في ديرالزور إلى أن ما يرتكبه كل من النظام السوري والتنظيم المتطرف يعد جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، لكن توقيت محاسبتهما يبقى سؤالًا مفتوحًا برسم الضمير الدولي الغائب عن المعاناة السورية.

تابعنا على تويتر


Top