لا خوف من القصف بعد اليوم

الموت الذي بات «عادة»

_يصبح_الموت_عادة.jpg

صوت هدير الطائرة يقترب كثيرًا، كلما اقترب الصوت، ازداد الخوف والترقب، وبدأت الأفكار تتصارع في رأس «إبراهيم»، 28 عامًا، هل يخرج من المنزل أم يبقى؟ أيختبئ في ظل عمود من أعمدة المنزل أم يبقى في سريره؟ ومع تزاحم الأفكار تباعًا في رأسه، تمر الطائرة مرور الكرام.

في اليوم التالي، هدير صاروخين يقتربان كثيرًا منه، كان لا يزال في سريره، سقط الصاروخان بالقرب من منزله، رفع لحافه وغطى رأسه، «ما اجتني مروّة اطلع شوف شو صار»، ويتابع إبراهيم «والله ماعاد سألنا ولا خفنا أكتر شي منعملو أنه منتغطى منيح وقت منسمع صوت الصاروخ، صارت عادي…»

وفي خضم القصف اليومي والطائرات التي تهدر فوق سماء داريا، لم يعد للصواريخ والبراميل أي وقع في نفوس المحاصرين، لا شيء يستطيعون القيام به إلا انتظار النتائج.

والحكاية تمتد فصولها في طول البلاد وعرضها، تستيقظ درعا في إحدى صباحاتها على دوي برميل مخيف، يركض أبو علي، 25 عامًا، ليرى ما حل خارج منزله، يسمع صوت الناس تصرخ أنه لحسن حظهم وبلطف من الله لم ينفجر البرميل، استطلع وجيرانه كل الحي، طرقوا كل اﻷبواب للاطمئنان عليهم، الكل بخير، إلا «أبو محمد»، طرقوا بابه كثيرًا، لا جواب من خلف الباب الموصد.

خلع أبو علي باب البيت ودخل المنزل يصيح «أبو محمد»! ليخرج صوت من داخل غرفته «شو في شو صاير!» فيرد أبو علي وسط ضحكات الجميع «سلامتك عمي بس نزل برميل بالحارة.. ارجع كمل  نومتك».

وباتت صواريخ النظام وبراميله رفيقة درب معظم السوريين في المناطق الساخنة، والناس أصيبوا بالتبلد «وما عاد فرقت مع حدا».

في كل قصف، يفزع أشخاص لرؤية ما حدث وأناس تختبئ من شدة الخوف، واﻷمهات تحتضن أطفالها، يقول أبو علي «مع سقوط البرميل، وعندما تستمع إليه يقترب منك، ترى شريط حياتك يمر أمام عينيك سريعًا بكل أحداثها، التي قد تغيب تحت الأنقاض في أي لحظة».

وسواء انفجرت القذيفة أم لم تنفجر، يهرع الناس إلى مكان سقوطها، وخاصة فرق الإنقاذ والإعلاميون، لتصوير حجم الضرر وإسعاف المصابين والبحث عن أحياء تحت الأنقاض، ويتابع أبو علي «منذ ثلاث سنوات ونحن نقوم بهذه المهمة، لم يتحرك أي ضمير في هذا العالم، لا تتحرك إلا فرق الإنقاذ لتخرج ما بقي من أشلاء أو أرواح تحت اﻷنقاض».

ويستمر المدنيون الذين يعيشون الحرب في كل تفاصيلها بابتكار أساليب تمكنهم من الهرب من حالة الخوف اليومي، وآليات للتأقلم تعودهم على الموت الذي بات شريك الحياة اليومي ولا غنى عنه.

تابعنا على تويتر


Top