بقايا ألم... بقايا أشلاء... بقايا إنسان

حرائر داريا.. من داخل المشفى الميداني

111-copy.jpg

المشفى الميداني بداريا

«أكثر اللحظات ألمًا داخل المشفى حين تفقد إحساسك بالألم…»

 

عنب بلدي – داريا

مارست المرأة أثناء مجزرة داريا الكبرى، دورًا بارزًا في المجال الإغاثي والطبي. تحدّت المخاطر لتخرج تحت وقع الصواريخ التي تهطل فوق المدينة محولةً البيوت إلى ركام والأشخاص إلى أشلاء متناثرة.

داخل المشافي التي كانت بعيدة عن أعين الأمن، إما في مدرسة أو في قبو بناء، عاينت الفتيات حالات خطيرة من الإصابات، أرجل مبتورة ورؤوس مكسورة وأدمغة محطمة وأمعاء خارجة من البطن وشظايا ورصاصات قناصة اخترقت الأجساد. بذلن ما بوسعهنّ لإنقاذ أكبر عدد من المصابين، ولكن في معظم الحالات كنّ يقف عاجزات أمام هول الإصابات التي غالبًا ما تكون خطيرة جدًا ضمن إمكانيات محدودة جدًا.

وتقول غ. ع، إحدى الفتيات اللاتي شاركن في الإسعاف، إنها خرجت من منزلها لتساعد في إسعاف الجرحى تحت وابل من الصواريخ وعبرت الشوارع وهي تخشى من رصاص القناصات التي انتشرت في كافة الشوارع، وهناك في المشفى، شهدت العديد من الحالات التي استقرت في ذاكرتها ألمًا لا يمكن نسيانه، وروت كيف دخل شابٌ المشفى برفقة والده وقد تحطمت جمجمته وخرج دماغه منها. وكان كل ما استطاع الطبيب فعله لف رأسه بقطع من الشاش، كي يوقف تناثر قطع من دماغه على الأرض، ليصرخ الأب صوتًا زلزل المكان: «شو يعني رح يموت.. خليه يموت .. لا أول واحد ولا آخر واحد .. إلو بسعر غيرو» وليلفظ الشاب أنفاسه الأخيرة وتصعد بعد ذلك روحه إلى السماء.

أما ن. ت. فتروي قصة دخول شاب في العشرينات إلى المشفى مبتور القدمين، لكنه كان جبارًا “بكل معنى الكلمة”، كان مفعمًا بالثقة ويغمره رضًا بقضاء الله وقدره. تقول ن. ت. إنها لم تكن تقوى على دخول غرفته من شدة حزنها عليه حتى أن ممرضة دخلت عليه لتغير على جراحه فذرفت دموعها أمامه، فقال لها بكل ثقة: لم تبكين؟ إنني بخير ولا داعي للبكاء.

أما عن حالات العجز التي عانت منها المشفى الميداني فتقول غ. ع. إن نقص المواد والمعدات الطبية، إلا من بعض مواد الإسعاف الأولية (شاش ـ معقم ـ سيروم ـ عدة خياطة ـ بعض الأدوية المسكنة) بالإضافة إلى نقص كبير في الأطباء والجرّاحين والأخصائيين، كان العقبة الكبرى، فالعديد من الإصابات تحولت إلى حالات بتر بحسب ن. ت. فقط بسبب عدم وجود طبيب، ناهيك عن حالة التوتر التي عاشها الكادر بسبب سقوط القذائف بالقرب من المشفى.

وذكرت ن. ت. أنه عند وصول خبر اقتراب الأمن لدهم المشفى، قام الكادر بإجلاء الجرحى ونقل المعدات الطبية والمسعفين في ظروف غاية في الخطورة، وفي بعض الأحيان لم يتمكنوا من إجلاء الحالات الميئوس منها قبيل وصول الأمن، الذين قد يعتقلونهم أو يجهزون عليهم.

هناك في المشفى الميداني، لم تتمكن ن. ت. من إغماض عينيها، فرائحة الدماء تعبق في المكان ومناظر الإصابات الخطيرة لا تفارق مخيلتها. ومع اشتداد القصف، كانت المشفى لا تستوعب أعداد الجرحى، حيث خصصت لتستوعب عشرين مصابًا فقط، فيقوم المسعفون بمعالجة الإصابات وإخراج المصابين من المشفى على الفور خشية هجوم قوات الأمن على المشفى دون سابق إنذار، ومع اقتحام الشبيحة وعناصر الأمن للمدينة بات من الخطير جدًا وجود المشافي الميدانية بعد أن قامت قوات الأمن بمداهمتها وحرق كافة الأجهزة والمعدات والأدوية، لتعود الفتيات إلى بيوتهن، ولتترك المشفى في ذاكرتهن بقايا ألم… بقايا أشلاء… بقايا إنسان.

تابعنا على تويتر


Top