نهار مشرق.. إيعاز بالموت

obidah_al_Haj.jpg

عبيدة الحاج – اللاذقية

خمسة عشر يومًا من الصقيع، ملأت سماءها الغيوم وأفقَها الضباب، كانت كفيلة بأن تحرك مشاعر الشوق للشمس التي أشرقت هذا الصباح، ففي منطقتنا، وحده الروتين يسيطر على جدول أعمالنا اليومية، ويملؤه بخيارات لا تجديد فيها. فبعد أربع سنوات، كانت كفيلة بقلب موازين الحياة، اُقتلعت كل وسيلة للراحة، ومُزّقت كل وسيلة للتواصل، لا تغطية لشبكة هواتف محمولة، ولا اتصال انترنت، ناهيك عن الكهرباء، التي لم تأتنا منذ ربع عقد من الزمن، وما أمامنا إلا وسائل نادرة الوجود لتوليدها.

فقط لنشعر أننا ما زلنا على قيد الحياة، ولنحافظ على التواصل الذي يبقينا جزءًا من هذا العالم، نقطع 15 كيلومترًا للوصول إلى نقطة نتمكن فيها من الاتصال بالإنترنت؛ وفي مقهى لا تتعدى مساحته المترين، نلتف حول المدفأة عند «أبو محمد» نرتشف ما يتوفر من مشروبات ساخنة تعين أجسادنا في الحرارة المنخفضة، نتصفح الأخبار، ونتواصل مع الآخرين. نصف ساعة مضت على هذا الحال، وقطع جلستنا بعدها صراخ شاب من القرية، كان يهرول باتجاهنا صائحًا «مات أنس… مات أنس»، خيّم علينا الصمت بعدها، فنبأ وفاة الشاب ذي العشرين ربيعًا إثر جلطة كان بمثابة رصاصة تخدير؛ كسر أبو محمد الصمت الذي تلاها معلقًا «رحمه الله… كان شديد الخوف من القصف الجوي الذي يطال القرية بين حين وآخر».

أغلق المقهى، وأغلقت القرية حدادًا على أنس، واتجه الجميع إلى منزله للمشاركة في تغسيله ودفنه، وقفت وبجانبي أبو محمد، وحولنا العشرات من أصدقاء أنس وجيرانه جاؤوا لوداعه، ربع ساعة مرّت، والهدوء سيد المشهد.

ثوانٍ وانقلب المشهد، صوت صفير مدوٍ تلاه انفجار هائل على بعد 20 مترًا، افترش الناس الأرض واحتمى بعضهم بالجدران أو بأجساد من بقربهم تفاديا للشظايا التي تطايرت فaي أنحاء المكان كحبات المطر، كان صاروخًا فراغيًا موجهًا من طائرة «سوخوي» حربية.

استمرت الصدمة لحظات، تعالى بعدها صوت «أبو محمد» متضرعًا بالدعاء، «يا رب عائلتي… يا رب أولادي» وهرع الجميع نحو مكان الانفجار لإنقاذ الجرحى وانتشال الجثث من تحت الأنقاض؛ وصلتُ بيت «أبو محمد»، وتمنيت أنني ما وصلت لهول ما رأيت، بقعة كبيرة من الدماء تسبح فيها العائلة، والدة أبي محمد وزوجته وأطفاله الثلاثة، في مشهد يعجز أحنك المخرجين عن تصوير ما يشابهه من الواقع، أو نسج ما يقاربه من مخيلاتهم.

وقف أبو محمد وسط الدماء والدخان والشظايا يملآن المكان؛ فارقت والدته الحياة وأصيب أطفاله بجراح بليغة تتهدد حياتهم وتستدعي إسعافهم على الفور. باتت أي وسيلة نقل ذات عجلات هي وسيلة إسعاف؛ حمل أبو محمد والدته إلى سيارة لنقلها إلى أحد المشافي الميدانية، ظنّا، ولربما أملًا منه بأنها ما تزال على قيد الحياة، ثم اتجه إلى فلذات أكباده وقد امتزجت الدموع والدماء على وجناتهم، يضعهم واحدًا تلو آخر على دراجات نارية، فلا مزيد من السيارات لنقلهم، احتضن شريكة عمره، متوسلًا إليها أن تفي بالوعد الذي قطعاه بألا يفترقا.

احتشد الناس في الملاجئ خشية غارة أخرى، وتابع الشباب بحثهم عن ناجين آخرين بين الأنقاض، والمسعفون مستمرون بعمليات الإنقاذ؛ مضت نصف ساعة قبل أن يتأكد خبر استشهاد والدة أبي محمد، وبأن خطورة إصابة أطفاله وزوجته تستدعي نقلهم إلى مشفى مؤهل لتقديم العلاج اللازم.

لم يكن هدوءًا ما يخيم على المكان… بل الموت. لم ننس أنس، الذي اجتمعنا لوداعه صباحًا، حين بدأت حكاية الموت من عتبات داره وامتدت إلى دار أبي محمد، بزغ النهار مشمسًا مشرقًا، عكرته يد طيار حاقد بمجرد ضغطه زرًا أودى بحياة عائلة أبي محمد.

ليتني لم آمل بيوم مشمس وسماء صافية تتيح لآلة الحرب أن تقصف وتحيل أهدافها إلى لا شيء، تملكني العجز… كنت عاجزًا حتى عن البكاء، عجز يتيح للحقد التسلل إلى كل خلية من خلايا جسمك، حقد على كل متشدق لا هم له إلا الثرثرة عن الإنسانية والحلول السياسية والعسكرية، فمن كفن إلى كفن… هكذا مضى يومنا «المشرق»، الذي نسينا في مطلعه أن نهارًا مشرقًا في بلادنا أصبح إيعازًا بالموت.

تابعنا على تويتر


Top