السوريّون والدَستور

252.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 32 – الأحد – 30-9-2012

يعدّ الدستور الناظمَ النظريَ العام الّذي يحدّد أشكال العلاقات ما بين الفرد والدولة، ويبيّن الحقوق العامّة والخاصّة، ويشخّص الأسس المراد توفرها في سياق عمل الدّولة ومسائل الحريات والواجبات.

في سوريا تم تناول مسألة الدستور في ظلّ نشوء الدّولة الحديثة منذ نهاية العهد العثماني مرورًا بفترة العهد الملكي العربي، والانتداب الفرنسي وما تلاها من حكم وطنيّ، وانقلابات عسكرية بالإضافة إلى دولة الوحدة، ومن ثم الانفصال وعهد حكم البعث وصولًا إلى عهد عائلة الأسد، الأب ومن بعده الوريث بشار.

فقد سعى الواصلون إلى السلطة بأيّة طريقة كانت، شرعية أم قسرية، إلى تضمين الدستور مواد تكرّس الحكم الفردي أو الفئوي، وإن كان ذلك مغلّفًا بنصوصَ مبهمة يتم تجييرها واستغلالها.

لم تخل الدساتير ومشاريع الدساتير التي مرّت عبر التاريخ السوريّ الحديث من نقاط إيجابية، كما تم إقحام مواد أخرى بشكل رغبوي ووفق إرادة الفئة الحاكمة. وكانت كل هذه الدساتير جامدة يلزم تغييرها أو تعديلها، إذ كرّست تغوّل السلطات التنفيذية التي يكون زمامها بيد الدكتاتور، بينما هُمّشت السلطات التشريعية والقضائية.

لقد خلا مشروع الدستور الذي طرح من قبل حسني الزعيم، صاحب الانقلاب العسكري الأول في سوريا، من أي إشارة إلى دين رئيس الدولة، وركّزت معظم الدساتير المطروحة على الأخذ بنظام اللامركزية الادارية، بينما تضمّنت كلّ الدساتير الصادرة منذ عهد سامي الحناوي وما بعده تحديدًا للطابع العربي للدولة، وعلى اشتراط كون رئيس الدولة مسلمًا.

بعد استيلاء حزب البعث على الحكم باتت الدساتير الصادرة في عهده مطيّة لتمرير سياسات النظام، وبالأخص بعد الانقلاب الذي نفذه الجنرال حافظ أسد على رفاقه في عام 1970، وتأسيسه «جمهورية آل الأسد». ولم تكن هناك أية آلية ديمقراطية في وضع الدساتير، وكان آخر هذه الدساتير الذي استصدر في مطلع 2012 من قبل النظام في محاولة للتعمية و للالتفاف على مطالب الثوار الحقيقية المتمثلة في إسقاط النظام بكل رموزه ومرتكزاته.

السوريون اليوم بمسيس الحاجة إلى دستور عصري قائم على عقد اجتماعي جديد يراعي مصالح جميع السوريين، وينزع فتيل الأزمات التي قد تنشأ عن تراكمات واحتقانات ناتجة عن السياسات الكارثية التي جرها النظام على سوريا، وآخرها أساليب القتل والمجازر الجماعية والشحن الطائفي.

الدستور العصري والمدني والمشتمل على تبيان حقوق جميع المكونات، ودورها ومركزها يسهم في أداء كل مواطن لدوره الحقيقي، ويخلق إحساسًا عاليًا بالمسؤولية، وإلزامًا أخلاقيًا تجاه القيم العليا المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمدى سريان الدستور، ومدى احترام المواطن له.


تابعنا على تويتر


Top