هل يكون قدرنا كسوريين أن نختار ما بين “البوق” و “البوط”؟

أحمد الشامي

بعيد غزو العراق من قبل “جورج بوش” الصغير شاعت في دمشق نكتة مؤداها أن سوريًا وأمريكيًا تناقشا في شأن “الحرية والديموقراطية” في بلديهما.

قال اﻷمريكي “في أمريكا حرية وديموقراطية واسعة، ففي مقدوري أن أقف في وسط واشنطن وأنتقد سياسات  جورج بوش على رؤوس اﻷشهاد…”.

السوري رد قائلًا “هذا لا شيء، فلدينا في سوريا حرية أكبر بكثير، فأنا في مقدوري أن أقف في وسط دمشق وليس فقط أنتقد علنًا جورج بوش بل أشتمه حتى…”.

هذا المثال يختصر مأساتنا كعرب، كمسلمين وكسوريين في غياب الحرية والعقلانية.

كل من يفتح فمه عليه أن يتحول إلى “بوق” يردد ما يطلب منه “البوط” أن يقوله، سواء كان الناطق كاتبًا مغمورًا أو مقدم برامج، ناجحًا أو فاشلًا، أو حتى صحفيًا ومثقفًا مرموقًا يكتب في أعرق صحف “العربان” وأقنيتها.

المطلوب منا أن نضع جانبًا العقل النقدي والمحاكمة المنطقية ونركض وراء اﻷقوى، صاحب الصوت العالي والسوط المسلط على رقاب العباد.

منذ اندلاع الثورة السورية، أخذت على نفسي عهدًا أن لا أقبض ثمن أي كلمة أكتبها، واشترطت على من أراد نشر سلسلة “دولة العصابة” أن لا يتقاضى أي ربح مقابل توزيعها. هذا أقل ما يستطيع مثلي أن يقدمه لهذا الشعب العظيم الذي لم يبخل بالتضحيات ويعلمنا معنى الكرامة كل يوم.

غياث مطر لم يطلب منصبًا ولا نفوذًا، حمزة الخطيب حمل ربطة خبز واتجه بها إلى درعا دون أن يطلب إذنًا من “أمير مؤمنين” متسردب في تورا بورا ولا من “خليفة” متواري في اﻷنبار ولا حتى من “جولاني” ملثم أتى من لا مكان، طالبًا “اﻹمارة أو الشهادة”.

اليوم اختلفت اﻷمور، فهذا زمن “العدناني” و “المحيسني”، والملثمين من مجهولي اﻷصول والأهداف.

اﻷنقياء مثل “الهرموش” و “حجي مارع” و “أبو فرات” استشهدوا بعمليات غامضة وتركوا الساحة “لمجاهدين” محترفين يتلقون أوامرهم من وراء الحدود.

حتى المنشقين من سليمي الطوية والنوايا أمثال “مصطفى الشيخ” و “رياض اﻷسعد” تلاشوا وراء جدار الدخان الذي أطلقه “أصدقاء” سوريا، وهم في أغلبهم أقرب للعداء منهم للصداقة. حتى المنشقين “المسايرين” لم يتحملهم “اﻷصدقاء” الذين صادروا القرار السوري وأرادوا جعل سوريا ساحة تصفية حسابات مع “محور الشر” لدرجة جعلت الصراع في سوريا صراعًا بين “محوري شر” يتبادلان اﻷدوار ولا يتبادلان اﻷهداف التي تتلخص في تصفية كل كلمة حرة وكل إرادة سورية مستقلة، وحتى سحق بذرة الحياة لدى السوريين.

في هذه المعمعة ما الذي بقي لمثلي من دور؟ هل هناك من يريد أن يستمع لصوت عقلاني مستقل يريد الحرية ويرفض أن يستبدل محتلًا شيعيًا-علويًا بآخر سني-وهابي؟

هل قدر من يريد أن يتحدث ويكتب في الشأن العام أن يصبح “بوقًا” مع اﻷسد أو ضده؟ مع “داعش” أو “النصرة” وأشباههما من “صيصان القاعدة” المرتبطين عضويًا بالخارج أو ضدهم؟ يسبح بحمد “أصدقاء” سوريا المنافقين أو يشتم “أعداءها” ولو تشابه اﻹثنان؟

هل بقي في سوريا من يريد أن يستمع لخطاب يرفض أن يتحدث عن شيء غير اﻹنسان السوري وحقه في أن يعيش ككل البشر، في أمان ولو كره المعتدون؟ عن الحياة واحترام حق الآخر في الحياة والحرية، عن المساواة وقبول الاختلاف واعتباره محركًا للتقدم والازدهار.

في النهاية، هل يكون قدرنا كسوريين أن نختار ما بين “البوق” و “البوط”؟

لكن، هل هناك فرق بين “البوق” و “البوط”؟ كلاهما ينفي الحرية والعقل ويعتمد الغرائز والعنف. “البوق” لا يحتاج لمخاطبة العقل والمنطق، فهو يكتفي بالصراخ والزعيق وترداد التفاهات على أمل أن تصبح هذه السخافات “مسلمات”.

“البوط” أكثر بساطة فهو يكتفي “بالرفس” و “الفعس” دون خطاب ودون محاكمة عقلانية.

زواج “البوق” و “البوط” هو ما نعيشه اليوم، فكلاهما ينفيان العقل والحرية واﻹنسانية. هكذا تستطيع “كوثر البشرواي” تقبيل “البوط” بشبق، وهي في ذلك تعبر عن السواد اﻷعظم من “الكتاب” و “المفكرين” و “اﻹعلاميين” ممن يتحفوننا بكتابات فارغة في معظمها تمجد “أبواطهم” وتلعن سلسبيل “أبواط” منافسيهم.

لا فرق إن كان “البوط” في قدم عسكري، شيخ نفط، علوي أو سني، “مقاوم” أو حتى “مجاهد”… سيكون هناك دومًا “بوق” يسبح بحمد “البوط”.

شخصيًا، لست مستعدًا لتقبيل أي “بوط” سواء كان سنيًا أو علويًا، حالشيًا أو داعشيًا. “البوط” القاعدي والسلفي لا يختلف كثيرًا عن أشباهه.

باختصار، أرفض التعامي عن مشروع “النصرة” والتنظيمات السلفية من صيصان القاعدة، التي تريد تعميم نماذج “طالبان” و “الشباب الصوماليين” و “بوكو حرام” وفرضها على السوريين، على مبدأ “عصابة” تحل محل أخرى.

صحيح أنه في وجه “اﻷصولية” العلوية والشيعية لا مكان للعلم والمنطق والعقل، لكن واجب من يتنطع للكتابة في الشأن العام أن يبقى وفيًا لقناعاته ولذكرى شهداء مثل “حمزة” و “الهرموش”…

هذا هو الطريق الذي اخترته لنفسي ولن أحيد عنه.

تابعنا على تويتر


Top