لطميات واحتلال، خطف وندرة في الرجال، ولسان الحال أبلغ

ماذا ترى في الشام حين تزورها؟

.jpg

حنين النقري – عنب بلدي

“يريدون رحيلك.. ما نرضى بديلك.. وحياتك بو حافظ»

“نحنا شيعة حيدر علي.. يا كل الدنيا هللي»

هذا ما تسمعه في شوارع دمشق من سيارات خاصة، أو حتى سيارات التكسي؛ بأصوات عالية وبجرأة واضحة، وبين المقاطع تسمع أصوات لطم الأكفّ على الصدور، كما تخبرنا سمر، معلّمة في مدرسة ابتدائية نظامية، إذ ترى التمدد الإيراني ولطميات الشيعة بتزايد في دمشق دون أن تستطيع النطق بحرف حيال ذلك، «حالي حال الجميع هنا، عجزنا أسكتنا، لست دمشقية لكنني أعرف تمامًا أن دمشق لم تكن يومًا بهذا النفس، بهذا الهواء، أمشي في الشوارع فأسمع لطميات الشيعة أينما ذهبت، أركب في التكسي فأجد الميداليات والشعارات معلقة عن حزب الله ونصر الله، دمشق باتت مستعمرة ثقافيًا لصالحهم».

هذا «الاستعمار»، كما تعبر عنه سمر؛ يوجد بشكل مركّز في دمشق القديمة، في لبّ دمشق، حيث الحارات العتيقة «في محيط باب شرقي والحميدية والقصاع، الإيرانيون هنا باتوا أصحاب أملاك، بيوت وسيارات، نراهم فنعرفهم من لباسهم وأشكالهم، ولغتهم الفارسية الدخيلة، اللافتات التي ترينها معلقة في هذه الحارات تشعرك بأنك في دمشق أخرى، حارات عتيقة عريقة، لكن ما ثمة «باب حارة» كما تصوّر الدراما يغلقه أحدهم بوجوههم».

ساروجة.. شبيحة ترتدي حجابًا

في القرن التاسع، كان حيّ ساروجة -الذي أخذ اسمه من القائد التركي الذي أنشأه- مقرّا لمنجنيقات تيمورلنك، ليقصف منه قلعة دمشق بحممه وقذائفه، واليوم يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فسوق ساروجة بات من أكثر المناطق تواجدًا بعناصر نظام الأسد وشبيحته، الأمر الذي يجعله يحتوي مشاهد لا تراها في سواه، فمثلًا سترى هناك دكاكين خياطة مختصة ببذلات الشبيحة والأمن بأنواعها كما تخبرنا المهندسة ع. م، «الرايات والأعلام مصطفة بكثرة فيه، وفي حيّ ساروجة المشهور بمقاهيه، مقاه باتت خاصة بالشبيحة، بل وفيه جرسونات محجبات يقمن بتخديمهن وتقديم المشروبات لهنّ، لم أرَ هذا في أي مكان آخر في دمشق!”.

محمد، شاب فلسطيني مرّ أيضًا بتجربة فريدة في ساروجة «أوقفتني شبّيحة وطلبت هويتي، ﻷول مرّة أرى شبّيحة محجبة، كانت ترتدي حجابًا أبيض مع زيّ الأمن، شاهدت هويتي واستفسرت عن وجهتي، سألها صديقي من أين أنت فأجابتنا أنها من جوبر».

بغضّ النظر عن صدق إجابة الشبيحة بأنها «جوبرانية»، فإنّ انتشارهنّ جنبًا إلى جنب على الحواجز لم يعد بغرض تفتيش النساء فقط، وإنما لتفتيش الرجال أيضًا كأي عنصر حاجز عادي، الأمر الذي يشير إلى عجز واضح في نظام الأسد عن سدّ الثغرات التي تخلّفها خسائره في معاركه.

لا داعي للحجاب في العاصمة!

من يزور دمشق، ويمشي في شوارعها سيلحظ فورًا أن نسبة النساء أضعاف الذكور فيها -والأطفال هنا محسوبون ضمن القسم الذكوري-، ليس الأمر تندرًا أو استظرافًا، بل هو نتيجة طبيعية لأربع سنوات من الاعتقالات والمداهمات، كونك شابّا يعني أنك هدف للنظام، الأمر الذي جعل الرجال عملة نادرة في شوارع الشام، كما تخبرنا المهندسة ع. م «اليوم يمكننا اعتبار الشب «لقطة»، فسوى عناصر الحواجز ممن لا نعتبرهم رجالًا أساسًا، تشعرين أن الشوارع في حالة حظر تجوال للذكور؛ قالت لي صديقتي مؤخرًا أن لا داعي للحجاب فالشوارع اليوم صارت خاصة بنا!”.

والأمر ليس مجرد إحصائيات ونسب، بل له تبعات كثيرة يعيشها أهل دمشق بصمت؛ رغبة في السلامة. أمل، طالبة جامعية مرتبطة بشاب، لكن عدم التوافق بينهما جعلها تسعى لفكّ خطبتها منه، تقول أمل «وهنا بدأت وفود نساء العائلة والصديقات يحذرنني، بأنني في حال تركته سأبقى عانسًا طول عمري، وبأن الشاب العشريني اليوم عملة نادرة علي التمسك به والعض عليه بالنواجذ!”.

العض بالنواجذ، النصيحة النسوية لأمل هي ما تقوم به المتزوجات حرفيًا مع أزواجهن، فطالما أن النساء صاروا الأكثرية والرجال صاورا أقل من القليل؛ فإن خيارات التعدد باتت مطروحة بكثرة. تحدثنا المهندسة ع. م عن الموضوع «المتزوجات صرن اليوم أكثر حرصًا على أزواجهنّ، فمن السهل جدًا أن تقبل أي فتاة برجل متزوج، الأمر الذي أراه حولي بتكرار، لينتهي الأمر بالزوجة الثانية مع عائلته الأولى وأطفالهم، لكنّ بعض الفتيات يجدن أن هذا أفضل، إذ يكفيها الزوج على الأقل أن تواجه الحياة وتطحنها كما تفعل بالكثيرات».

الخطف، بهدف السخرة

عبر مسيرة الثورة، عرفنا أشكالًا كثيرة للغياب القسري، الاعتقال والموت والنزوح والخطف، لكن الخطف الذي سيخبرنا عنه محمد لا يشبه ما نعرفه، إذلادية تطلب ولا أموال تقصد، «اختفى ابن خالي فجأة، عمره 17 عامًا وهو طالب في الثانوية، بحثنا جميعًا عنه، وسلّمنا في النهاية إلى أنه معتقل، بعد عدة أيّام عاد أمين بحال يرثى لها، ولما سألناه أين كان أخبرنا أن عناصر الحاجز قاموا باحتجازه ليبني معهم ثكنة عسكرية، ولم يتركوه حتى انتهى البناء!”.

أبو عدنان حصل معه أمر أكبر، فهو سائق باص مدرسي يقلّ أطفال الروضة به «قُرع بابي بقوّة شديدة، فتحته وإذ عناصر يصيحون بي ﻵتي معهم، ظننت أنه الاعتقال، لكنهم طلبوا مني فتح الباص الذي أملكه، وأن أُقلّهم إلى محافظة حمص».

لم يملك أبو عدنان من أمره شيئًا، ركب العناصر وقاد باصه إلى حمص «هناك أرادوا اعتقالي، توسّلت إليهم بكافة المقدسات والأنبياء أن يتركوني أعود لعائلتي وعيالي في دمشق، بعد جهد كبير سمحوا لي أن أعود بالبولمان. الباص بقي بحوزتهم، الحمد لله انفدت بالمال».

ولعلّ ما جرى لأبي عدنان يبرز جانبًا آخر سوى الخطف، وهو الخوف الموجود عند عناصر الأسد لدرجة يستعينون فيها بسيارات مدنيين ويتحامون بهم للوصول إلى مقاصدهم، وهو ما أكدته الآنسة سمر «كثيرًا ما يستوقف عناصر النظام سيارات التكسي التي أركبها لإيصالهم لمكان ما قد لا يكون في طريقنا، طبعًا لا يمكنني أن أعترض بأي كلمة، الأمر تكرر معي ومع معارفي عدة مرات».

هذا ما تراه في الشام، لطميات واحتلال، خطف وندرة في الرجال، ولسان الحال أبلغ، لكن الألسنة شحيحة بالكلام، وما زال بجعبة الشام الكثير مما لم تقله.

فماذا ترى في الشام حين تزورها؟

تابعنا على تويتر


Top