الثورة السورية وأزمة الفصائل المسلحة

محمد عماد  (باحث و كاتب سوري)

أوغل نظام الأسد في استخدام أساليب البطش محاولًا إخماد ثورة الشعب السوري الذي خرج مطالبًا بالحرية، فاقتاد الأحرار إلى السجون ولاحق شبيحته المتظاهرين العزل وهددوهم بلقمة العيش، واستخدموا لغة السلاح في وجههم على مدار ستة أشهر، فسالت الدماء الطاهرة في شوارع المدن والأرياف على امتداد التراب السوري.

وحصدت آلة النظام عشرات المدنيين كل يوم، إذ أحصت المنظمات الحقوقية المحلية في 25 آذار 2011 قرابة 100 شهيد، وفي 31 تموز نحو 150 آخرين، معظمهم في حماة ودير الزور وبانياس.

أرفض -هنا- نظرية المؤامرة التي تقول بأن بعض الجهات الخارجية دفعت الشعب السوري إلى استخدام السلاح وحوّلت الثورة السلمية إلى مسلحة، لأن الشعب حمل السلاح مكرهًا وقد أكد ذلك المفكر العربي، عزمي بشارة حين قال “إن الشعب السوري سيضطر إلى حمل السلاح إذا استمر النظام في مسلسل القتل المفرط، ولن يعدم الشعب الوسيلة للوصول إلى مبتغاه”.

بدأ بعض الشباب المتحمسين بتأمين السلاح لحماية المظاهرات السلمية، لكّن نظام الأسد اعتبر ذلك فرصة للرد بعنف غير مسبوق على المتظاهرين، بذريعة رفع السلاح في وجه الدولة.

وكثرت الانشقاقات في صفوف الجيش السوري أوائل حزيران 2011، ليعلن عن تشكيل لواء “الضباط الأحرار” بقيادة المقدم حسين هرموش، وتبع ذلك تشكيل الجيش الحر بقيادة العقيد رياض الأسعد.

وهكذا بدأت الكتائب المسلحة في شتى المناطق السورية ورفعت شعار إسقاط النظام بكل رموزه، وأشهر هذه الفصائل آنذاك: لواء شهداء سوريا، لواء شهداء جبل الزاوية، لواء أحرار سوريا، جيش الإسلام الذي ضم 50 فصيلًا إسلاميًا في دمشق ومحيطها، ألوية أحفاد الرسول، جبهة الأصالة والتنمية ومجلس ثوار ديرالزور.

إضافة إلى المجموعات الجهادية التي تشكّلت فيما بعد، وقد أطلق النظام بعض المعتقلين الجهاديين ليؤكد المقولة التي كان يرددها مندوبه في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، وتدور حول أن ما يحدث في سوريا هو إرهاب يقوم به مسلحون مدفوعون من جهات عربية وأجنبية.

ومع طول أمد الثورة وانقطاع الدعم عن التشكيلات العسكرية، لجأ شباب الثورة إلى الفصائل العقائدية التي ترفع راية الإسلام وتعلن عن إيديولوجيات دينية شمولية.

وفي هذه الفترة من عمر الثورة تمكن النظام، المدعوم من قبل روسيا وإيران، من استعادة عددٍ من الجبهات والمناطق محدثًا خللًا في ميزان المعارك، فكان رد الفعل الطبيعي أن انضمت مجموعات أخرى من الفصائل المسلحة إلى جبهة النصرة شق تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وقد انفصل عن القاعدة بعد توطيد نفوذه في سوريا والعراق، ما جعل بعض فصائل الجيش الحر تصاب بحالة من الضعف والترهل.

لكن إرادة المقاتلين بقيت قوية في مناطق الاشتباك مع النظام، وظل المرابطون على جبهات القتال صامدين، وذلك نابعٌ من تصميمهم وحفاظهم على مبادئهم ولم تكن فصائلهم قوية ومدعومة بما يكفي للتصدي لمكنة النظام والميليشيات الداعمة له.

وقد لجأت بعض هذه الفصائل إلى التحالفات المرحلية تحت غرف عمليات موحدة، فأحرز المقاتلون انتصارات كبيرة آخرها في إدلب شمالًا ودرعا جنوبًا.

و نستطيع أن نُجمل الأسباب التي أدت إلى ابتعاد الفصائل عن انتصارات كبيرة بالنقاط التالية:

1- عدم وجود قيادة عسكرية واحدة تقود الفصائل المقاتلة في ساحات القتال وفق خطط عسكرية شاملة.

2- عدم الاعتراف بالمعارضة السياسية في الخارج.

3- حالة التشتت والتشرذم التي تسيطر على الفصائل المقاتلة.

4- عدم التوزيع العادل للسلاح و المال على مقاتلي الثورة.

إن تجارب الثورات، عبر التاريخ، تشير إلى أنّ اللجوء إلى السلاح هو نتيجة لإخفاق الحلول السياسية، ويتحرك العسكر بإمرة القادة السياسيين، أما في حالة الثورة السورية فلا وجود للانسجام بين المقاتلين في جبهات القتال والقادة السياسيين أبدًا، لذلك فإنّ تحقيق النصر لا يكون إلّا بتجاوز السلبيات السابقة.

 

تابعنا على تويتر


Top