التهميش الاجتماعي .. ثقافة ينتهجها المستبد ويكرّسها المجتمع

 

حنين النقري

أثارت تصريحات وزير العدل المصري المستقيل -أو المقال- محفوظ صابر زوبعة كبيرة من الآراء والانتقادات في الفترة الأخيرة، بعد قوله: «القاضي يجب أن يكون من وسط مناسب لهذا العمل، لم أقل فوق، لكن لا يجب أن يكون «تحت أوي»، وسط محترم ماديًا ومعنويًا، ابن عامل النظافة يروح لوظيفة أخرى تناسبه».

أيّد البعض وزير العدل ورأوا أنه نطق خطأً بحال الحكومات و «أسرار المهنة»، بينما نعتته الأغلبية بالعنصريّ، وبرأيي فإن الأمر أعمق من شروط وظيفية، وأوسع من البقعة الجغرافية الحاصل فيها، فعدم انتماء عامل النظافة لوسط «محترم ماديًا ومعنويًا» هو أسّ المشكلة، وليس عدم تولّيه القضاء. ولست هنا في صدد إصدار الأحكام، تأييدًا أو رفضًا، لكن هذه القضية أبرزت نقطتين أودّ الإشارة إليهما:

الأولى، تشارك الحكومات سياسة تهميش فئات معينة من الشعب، واستخدامها، وليس الحديث عن منع أبناء عمال النظافة الاشتراك بسلك القضاء بالغريب، بل لعلّ ما يثير الدهشة هو استغراب الناس من تصريحات الوزير وهم يشهدون حجم التهميش والاضطهاد الذي تعيشه هذه الفئة -وغيرها- كل يوم، الحكومة المصرية ليست الوحيدة في هذا المضمار، وتهميش فئات واسعة من الشعب منهج قائم بوضوح في الأنظمة الديكتاتورية. فعلا؛ ابن عامل النظافة من بيئة غير مناسبة ماديًا ﻷن الحكومات أرادت له ذلك، ولو أرادت له أن يكون سوى ذلك لكان.

النظام السوري قام بأسوأ من تصريحات وزير العدل المصري، فإن كان الأخير حدد مهنة ممنوعة على أبناء عمال النظافة، فإن نظام الأسد استغل أوضاع هذه الفئة الاقتصادية السيئة، وعزلها عن المجتمع لمصالحه؛ مشوّها سمعتهم ولاغيًا تعاطف الناس معهم، كلّنا نذكر دور عمال النظافة «التشبيحي» في بداية الثورة، كم من الشباب اعتقلوا بسبب البعض منهم، مظاهرات ألغيت لتواجدهم الرقابي في الشوارع، حتى إن بعض المدن سجّلت حالات حمل سلاح من قبل عمال النظافة، معظمهم شبيحة متنكرون بزيهم.

الأمر الآخر، هو ردة فعل الناس الناريّة على ما قاله الوزير، رغم أنه لم يقم إلا بنطق ما نفعله جميعًا، مهما أبدينا خلاف ذلك، راتب عامل النظافة البسيط في معظم الدول العربية يجعله من الفئات المهمّشة اجتماعيًا، حاجتنا للإحصائيات لنعرف أهمية عامل النظافة تشير فعلًا إلى وجود خلل اجتماعي مادي؛ تجاه بعض الفئات بيننا، والمبادرات التي تخرج في المجتمعات أحيانًا من قبيل «لولا الزبالون» أو «زبّال وأفتخر» هي دليل على نقيض هذا -لم لا نرى حملات من قبيل «طبيب وأفتخر» أو «بقّال وأفتخر»-، أوَلسنا جميعًا أبناء مجتمع يهتمّ بمهنة والد العريس كاهتمامه بدراسة العريس؟

في خضمّ ثورتنا لتغيير الحكومات وإسقاط النظم السياسية، وبناء مجتمعات جديدة؛ حبّذا لو وجهنا جزءًا من وعينا لثقافتنا الاجتماعية، هل يصلح أن يبنى المجتمع من جديد على ما به من معتقدات؟ آراؤنا الجوّانية الحالية، وموروثنا، ذاك الذي يتساءل بأحد أمثاله مستهجنًا من يفعل ما لا يليق به «زبّال.. وشاكل وردة؟».

إن كان جمال الورود لا يليق بالزبّال في نظرنا أبًا عن جدّ، فلماذا نستهجن عدم توليه القضاء!

تابعنا على تويتر


Top