في أغلى الأماكن معيشةً في سوريا، الكشفية بـ 75 ليرة

11328883_993093330735630_1949061772_n-2-copy.jpg

حنين النقري

«صدقيني يا أختي حالة زوجتي صعبة، ما في مجال تعطينا موعد قبل شهر؟»، تومئ السكرتيرة برأسها «مستحيل»؛ يتوقف أبو محمّد عن استجدائها ويخرج من عيادة الدكتور الشهير بطب الأعصاب في دمشق، تلفت نظره لافتة معلّقة على الباب «قيمة المعاينة 1500 ليرة تدفع عند السكرتيرة»، يهمس لزوجته «الله لا يسلط علينا الحكما والحكّام».

في الوقت ذاته، وفي مكان غير بعيد، يعيش واقعًا مختلفًا «أديش بتريد حكيم؟» ينظر المعالج إلى حاله ويدرك أنّ محدّثه رقيق الحال قليل المال، وأن «الكشفيّة» سترهقه، فيجيب «ادعيلي يا حجّي».

ليس مشهدًا من مدينة فاضلة كتب عنها ابن خلدون، بل موجودٌ يوميًا في الغوطة الشرقية أغلى الأماكن معيشة في سوريا، وتحديدًا في مركز التأهيل الطبّي للمعالجة الفيزيائية في دوما، حيث يبدأ المعالج أبو سليمان الحموي عمله منذ التاسعة صباحًا وحتى الرابعة ظهرًا، ويستقبل أكثر من 10 حالات يوميًا من المصابين مدنيّين أو عسكريّين.

يشير تقرير نشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في حزيران 2014 أن ما يزيد عن 1.1 مليون إنسان سوري مصابون نتيجة الحرب، بينهم ما يزيد عن 10% حالات بتر، الأمر الذي يستدعي إنشاء مراكز رعاية وعلاج وتأهيل لهؤلاء، ليتغلّبوا على إعاقات جسدية لحقت بهم.

تخرّج أبو سليمان من المعهّد الصحّي المتوسط عام 2009، وتابع عمله كمعالج فيزيائي قبل الثورة، ثم أسس مركز المعالجة الأول في الغوطة الشرقية منذ 7 أشهر تقريبًا، بعد فترة من علاج المرضى في غرفة صغيرة ببيته.

ويقول إن المركز يستقبل حالات مختلفة تتوزع على ثلاثة أقسام رئيسية، قسم المعالجة الفيزيائية، قسم شلل الأطفال، وقسم الريفلكس، مضيفًا أنه تمكّن من علاج ثلاث حالات يعانون من الشلل بنسبة 75%، ليعودوا إلى حياتهم بشكل شبه طبيعي، ويستطيعون زيارة المركز دون مساعدة أحد.

ويعمل أبو سليمان على علاج نهاية الأطراف المبتورة لتتلاءم لاحقًا مع الأطراف الصناعية وتحافظ على سلامة المفاصل القريبة منها.

وتحتل محافظة ريف دمشق المرتبة الأولى بعدد المصابين، وبلغوا في تقدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان 194 ألف حالة، معظمهم في الغوطة الشرقية المحاصرة، ويعيش فيها ما يزيد عن مليون إنسان حسب المكتب الحقوقي الموحّد.

يضيف المعالج أبو سليمان أن أصعب الحالات التي مرت عليه كانت إصابات عصبية مركزية بالرأس والنخاع الشوكي والعمود الفقري، إضافة إلى حالة تعاني من شلل أطفال دماغي استطاع بالمثابرة على علاجها عدة أشهر الوصول إلى نتائج متقدّمة تمثّلت في وقوف الطفل ومشيه بشكل بطيء، كما يشير الحموي إلى تزايد عدد حالات شلل الأطفال نتيجة غياب اللقاحات في الغوطة الشرقية.

وكانت منظمة «أنقذوا الأطفال» البريطانية ذكرت في تقرير صدر عنها نهاية عام 2014 أن عدد الأطفال السوريين المصابين بشلل الأطفال فاق الـ 80 ألف طفل، بينما أشارت الشبكة السورية إلى حاجّة ماسّة لدعم القطاع الطّبي في الأماكن المحاصرة نتيجة لهجرة كثير من الأطباء خارجها بعد انتهاكات النظام بحقهم بالاعتقالات والقتل بداية الثورة.

يؤكّد أبو سليمان على استقلالية مركزه، ويقول إنه أسسه إيمانًا بقدرته على مساعدة المصابين والجرحى المتزايد عددهم جراء قصف النظام المستمر.

عندما استفسرنا المعالج عن سعر «الكشفيّة» أجاب «لا تتجاوز 75 ليرة في الجلسة الواحدة، ولا أتقاضى شيئًا ممن لا يستطيع الدفع»، ولتوضيح قيمة الأجرة يصل كيلو الأرز في الغوطة، لحظة إعداد هذا التقرير، إلى 1900 ليرة سورية.

تابعنا على تويتر


Top