الأزمة شيء طبيعي

بيلسان عمر

كلمة «أزمة» ليست بجديدة على قاموسنا، فهي قديمة قدم التاريخ ذاته، فكانت في مرات ناتجة عن خلل ما يؤثر على النظام السائد، ومرات نتيجة تراكم مواقف وتأثيرات تؤدي بدورها إلى تشكيل نقطة تحول غير مرغوبة، إن لم تحل بطريقة جيدة.
وسبق وسمعنا عن أزمات لا دخل للإنسان بها، من قبيل الزلازل والصواعق والبراكين والفيضانات والموت المفاجئ لعزيز، فجاءت على عكس تلك التي يصنعها الإنسان وفق تخطيط مسبق لها، كالحرائق والعنف واستخدام الأسلحة.

إدارة الأزمات والإدارة بالأزمات
وكذلك عانينا من الخلط بين مفهوم إدارة الأزمات، والإدارة بالأزمات، إذ تمثل الثانية حالة إسعافية للتعامل مع الإشكالات عند ظهورها، بعيدًا عن التخطيط طويل المدى، وقد تسعى هذه الإدارة –في بعض الوقت- إلى خلق الأزمة، ثم السيطرة عليها، وجني المكاسب من ورائها في تجارة حرب رابحة لا تعرف للخسارة اسمًا، في حين تعني إدارة الأزمات تسخير كل الجهود والمهارات والخبرات والموارد المتاحة لتجاوز المشكلة، وإيجاد الحل الأنفع لها بأقل الخسائر الممكنة، بل وأكثر من ذلك وصولًا إلى التنبؤ بالأزمات المستقبلية، والحد من مخاطرها.
ونستخلص من تجارب التاريخ أن إدارة الأزمة مرت بطرائق تقليدية تمثلت في إنكار الأزمة أحيانًا، أو كبتها، أو تشكيل لجنة لبحثها، أو تنفيسها، أو إخمادها، على عكس الطرق الحديثة التي تتنوع بين تشكيل فريق عمل للمشاركة الديمقراطية في حلها واحتوائها، وبين تصعيد الأزمة وتفريغها من مضمونها.

الأزمة شيء طبيعي
كل ما سبق ليس بمستعصٍ على العقل البشري استيعابه، بل وحتى التسليم به، ولكن عصي الاستيعاب عبارة «الأزمة شيء طبيعي»، وأنه لا بد لكل مجتمع أن يمر بها ضمن مراحل نموه، وكأنها ليست بذاك الداء الذي علينا استئصاله، بل بنظر –مروّجي هذه العبارة- علينا التأقلم معه، وامتلاك حفنة من المرونة تقينا سوء عواقبه علينا نفسيًا، لتكون جرعات مخدّر لنا للوقاية لا العلاج.
أخالك تقول «شيء مدهش!!»، نعم وأنا ذهلت مثلك، وجحظت عيناي استنكارًا لما سمعت، أن يجلس أبناء المجتمع المتضرر من الأزمة دونما حراك، بحجة أنها شيء طبيعي، وأن عليهم تقبّلها بما فيها.
إن أيّدنا رأي هؤلاء فهذا يعني أننا علينا نسف كل مبادرات نشر السلام، وأن ننأى بتفكيرنا بعيدًا عن الأمان والاستقرار، بل نبقى مستنفرين دائمًا متأهبين لاستقبال كل حرب قادمة بكل ما تحمله من ويلات، طالما أن الحرب شيء طبيعي!

النكسة شيء طبيعي
في ظل الأزمة يعيش البعض أسطورة جيشنا الذي «لا يُهزم»، فالنكسة شيء طبيعي –هي الأخرى- في ظل الحرب الطبيعية، ومن الطبيعي أن يُستهدف هذا الجيش خارجيًا بل وحتى داخليًا باختلاق الحروب لزعزعة صفه، وبذات الوقت من الطبيعي أن يدوس جيشنا بحذائه على رؤوسنا ورقابنا، ليحقق لنا نصرًا يسحقنا به دون أن يسحق عدونا، متبنّيًا قاعدة أساسية «أنا أسحقك بحذائي إذًا أنا موجود»، ونحن نصفق لانتصاراتهم، غير آبهين أين كانت وجهة أحذيتهم ورصاصاتهم وبراميلهم، علينا أم على عدونا –أخي هذه تفاصيل صغيرة غير مهمة لن نخوض بها!!- ما يهمنا أننا انتصرنا احتفلنا، وشربنا كأس كرامتنا من تحت أحذيتهم، وعلى قول سيادة القائد المفدّى لتلك الحرب الطبيعية –بشار الأسد- في خطابه إثر معارك إدلب «نحن اليوم نخوض حربًا، وليس معركة، فالحرب ليست معركة واحدة، بل سلسلة من العديد من المعارك».

بين إيجابيات وسلبيات الحرب
نعود لمروجي فكرة «انظر إلى النصف الممتلئ من كأس الحرب» فهم يجدون أن الحرب فرصة خلّاقة لاستنباط القدرات والجهود، والعمل بميادين مختلفة، وانتشار العمل التطوعي، وظهور فرق المبادرة والجمعيات الأهلية، التي لطالما كُمّت أفواهها قبل سني الحرب، والحرب ميدان للتقارب الاجتماعي والتآلف، فكلٌّ يشدّ عضده بالآخر، كما أنها تفرز العديد من القادة المجتمعيين المؤهلين لإدارة الأزمات، لا الإدارة بالأزمات فقط، وتختبر الحرب صبر شعوبها على الفقد والتضحية بالغالي والرخيص لأجلها، والتهجير والحصار والاعتقال، بل هي فرصة لتحسين البنية التحتية وإعادة الإعمار بطراز عمراني أفضل مما كان.
في حين يرى منتقدو هذه الفكرة في الحرب القتل والتدمير والاعتقال والتهجير القسري واستغلال للطاقات والموارد المتاحة من قبل تجار الحرب، وانتزاع إنسانية الإنسان الذي بات يألف أقسى المشاهد ألمًا كان يعتصر قلبه لها، فهي رحى تطحن الجميع، ويسلطون الضوء على عدد المصابين والجرحى والمعتقلين والمغيبين والمهجرين والأبنية المدمرة، والضرر البيئي، والحرب الطائفية، ويطرحون على ذواتهم أسئلة من قبيل:» هل الحرب أمر حتمي لحل النزاعات؟ بل وهل النزاعات أمر لا مفر منه؟ وهل ما يحدث أسوأ بكثير مما حصل عبر التاريخ؟ وهل اليوم القادم أسوأ من يومنا هذا؟

وأنا يحقّ لي أن أتساءل عن أشياء غير طبيعية!!
وبين إيجابيات الحرب وسلبياتها، إن كانت الأزمة شيء طبيعي، وتحولها لحرب شيء طبيعي، والنكسات بالحرب أيضًا شيء طبيعي، والقتل والاعتقال والقصف والاختطاف والتهجير والحصار أيضًا كلها أمور طبيعية، وفقداننا لقابليتنا للحياة في زمن الحرب شيء طبيعي، حتى تغير نمط طعامنا وشرابنا وعاداتنا اليومية شيء طبيعي هي الأخرى، واليوم الأول بالحرب صعب، بينما بقية الأيام تصبح طبيعية، فإذًا لماذا نثقب آذاننا بكلام منظّري السلام ودعاة اللاحرب، الذين يريدون أن يمنعوا عنا كل الأشياء الطبيعية السابقة!! في وقت يريحنا به الفريق الأول صاحب الأحلام الوردية في الحرب.
أتساءل بشكل طبيعي عن أشياء «غير» طبيعية، بنظري الطبيعي.

تابعنا على تويتر


Top