زوجت ابنتها بسن 12 وتهمّ بتزويج الأخرى بسن 10 وتنتظر الثالثة ابنة الـ 8 سنوات

«نساء صغيرات» في حلب

_لا_زوجة.jpg

ليان الحلبي

«راجعتني سيدة زوّجت ابنتها الكبرى وهي ابنة 12 عامًا منذ سنتين، وتهمّ الآن بتزويج ابنتها الأخرى ذات العشر سنوات، وتدعو الله أن تكبر ذات الثمان لتزوّجها»، يقول الدكتور محمود، موضحًا عدم قدرة السيدة على إعالة فتياتها وحمايتهن من بعد استشهاد زوجها قبل ثلاث سنوات.

كارثة اجتماعية تتنامى في أحياء حلب الخاضعة لسيطرة الجيش الحر، وخاصة لدى العائلات التي تعيلها الوالدة، فظروف الفقر والحاجة والحرب تفوق قدراتها ليصبح تزويج بناتها في سن مبكرة (أقل من 14 عامًا) هو المنقذ لها من تحمّل المسؤولية.

وتكمن المشكلة في قلّة الوعي عند الأهل وعدم تقديرهم للمخاطر والنتائج النفسية والجسدية المترتبة على مثل هذا الزواج؛ فغالبًا يكون الزواج هو الثاني بالنسبة للرجل مع فارق عمر كبير بينه وبين «الطفلة»، طفلة لم تكمل حياة أسرتها الأولى لتجد نفسها مكلّفة بتشكيل أسرة ثانية، حرمت من إكمال تعليمها واللعب مع أقرانها في المدرسة لتصبح فجأة أمًا يتوجّب عليها أن تربّي أطفالًا.

وتروي القابلة عائشة، التي تعمل في أحد مشافي حلب المحررة، بعضًا من نتائج هذا الزواج: «إحدى الفتيات الصغيرات تزوجت ليتركها زوجها بعد أقل من شهرين ويسافر إلى تركيا بحجة العمل، وهي لا تعلم عنه شيئا منذ أكثر من سنة».

وعن المخاطر الجسدية التي تلحق بالفتيات الصغيرات تضيف عائشة «جاءتنا إحدى الفتيات (15 عامًا) متزوجة منذ عام ونصف ولم تنجب إلى الآن، وعدا عن الضغوطات الهائلة التي تعرضت لها من الزوج وأهله لتأخرها في الإنجاب، أُعطيت الفتاة أدوية لحل المشكلة، وعند فحصها من قبل الطبيب أكّد أن رحمها لم ينضج بعد وأن كثرة الدواء قد يؤدي إلى التليّف الرحمي أو حتى إلى أمراض سرطانية مستقبلًا».

إضافةً إلى حالات التمزقات الكبيرة والنزوف التي تتعرض لها بعض هذه الفتيات أثناء الولادة في هذه الأعمار، وفق ما تنقله عائشة.

من جهته أطلق مجلس ثوار حلب مبادرة «بناتنا في أعناقنا أمانة» بهدف توعية الأهل لمخاطر تزويج القاصرات، وذلك عبر مناشير توعوية، إضافة إلى ندوات نسائية تشرف عليها مرشدات نفسيات وطبيبات نسائية بدأت يوم الخميس 11 حزيران في حي صلاح الدين.

ويضيف أبو محيو الكردي، الناطق الرسمي باسم مجلس ثوار حلب وأحد القائمين على المبادرة، «تشمل المبادرة أيضًا كفالة بعض العائلات الفقيرة والمعدمة خاصة ممن تعيلها الزوجة، وقد بدأنا -عبر بعض شباب المجلس ميسوري الحال- بكفالة بعض العائلات في محاولةٍ لتخفيف هذه الظاهرة ما أمكن، وسنعمل لاحقًا على إحصاءات دقيقة وفرزٍ لهذه العائلات لنفتح باب الكفالة بإذن الله».

ويؤكّد أبو محيو أن هذه الظاهرة خفّضت سن العنوسة في حلب إلى 17 عامًا بعد أن كان فوق الخامسة والعشرين.

تواصلت عنب بلدي مع الشيخ محمد عبد الله سالم، رئيس جبهة علماء حلب الأسبق وعضو المجلس الإسلامي السوري حاليًا، لإلقاء الضوء على وجهة النظر الشرعية، خصوصًا وأن أغلب الأهالي يتحججون بعدم وجود أي مانع شرعي، إن كانت الفتاة بالغة.

ويؤكد الشيخ محمد أن هناك من الأدلة الشرعية ما يجعل موضوع الزواج مقيدًا بضوابط، مثل قوله تعالى «وابتلوا اليتامي حتّى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم»، والمقصود بـ «بلغوا النكاح» هو صلاحية كل من الزوج والزوجة للعلاقة وتحمّل مسؤولياتهما، وهذا يعطي دلالة قوية على أن هناك وقتًا وسنًا للنكاح، وإن كانت الآية لم تحدد ذلك السن، فإن العرف والعادة تحدده، وهو ما يؤكد أن السن الصغيرة اليوم ليست أهلًا للزواج ومسؤولياته، وفق تعبير الشيخ.

وكذلك حديث الرسول (ص) «لا تُنكح البكر حتى تُستأذن ولا الثيب حتى تُستأمر»، فكيف سيتم استئذانها وهي لا تفقه شيئًا، لاسيما أن أغلب الزيجات تتم من غير استئذان الفتاة أو أخذ رأيها، ولو أُخذ رأيُها فهل هي مؤهلة لفهم معنى الأسرة والزواج وهي بنت 12 سنة أو حتى 14 سنة؟

وأما عن الاستدلال بزواج الرسول (ص) بعائشة رضي الله عنها فيؤكد الشيخ محمد أن حادثة السيدة عائشة حادثة خاصة لا يُقاس عليها لاختلاف الزمان والمكان والبيئة والأشخاص وهذا القول اعتمده علماء سابقون كـ «ابن حزم».

ويختتم حديثه «إن الواقع يقول بأن تزويج الصغيرات ينتشر في بيئات الفقر والجهل وقلة الوعي، ولا تجده في بيئات المتعلمين أو المتدينين أو الأغنياء على سبيل المثال، كما يكثر فيه الاستغلال وترتفع نسب الطلاق، أما حجّة أن زوجها يرعاها فهي حجة ضعيفة وأسرتُها أولى برعايتها».

ودعا الشيخ لإجراء مراجعة عميقة من قبل كل أسرة قبل أن تقبل بتزويج ابنتها الصغيرة إن كان قد وقع الاختيار والقبول من الطرفين، وهل وُجد هذا الزواج ليدوم وهل كان من الممكن القبول به لو كان وضع الأسرة أفضل ماديًا؟

تابعنا على تويتر


Top