مع دخول الانتفاضة عامها الخامس

سباق لحفظ ذكريات سوريا

Untitled-19.jpg

متظاهرون يرفعون علم استقلال سوري كبيرًا الذكرى الرابعة لانطلاقة الثورة السورية في باريس – 14 آذار، AFP

ذا ناشونال الإماراتية

جوش وود

بيروت

مع دخول الانتفاضة السورية عامها الخامس بأكثر من مئتي ألف قتيل، وملايين المهجرين، ودون مؤشرات على حل -رغم التدخل الدولي الدبلوماسي والعسكري، ما يزال ناشطون يعملون على الاحتفاظ بسجلات النزاع أملًا بأن هذه السجلات ستساعد على تحقيق المصالحة عندما يحل السلام في نهاية المطاف.

ما بدأ بتظاهرات في الشوارع ضد نظام الأسد في آذار 2011 تطور إلى شبكة معقدة من العنف بين قوات الحكومة، والعديد من فصائل الثوار، بما في ذلك المتطرفون، والأكراد الانفصاليون وعدد من الجهات الأخرى.

وبعيدًا عن إحصائيات الخسائر البشرية، فإن الحرب أتت على تراث سوريا العريق، من تدمير مدينة حلب القديمة، إلى نهب القطع الفنية من المواقع الأثرية العديدة في الدولة، إلا أن هذا لم يمنع هؤلاء الناشطين من الحفاظ على التاريخ المعاصر.

يجمع هؤلاء السوريون سجلات رقمية وورقية عن الانتفاضة وما أدى إلى قيامها، من وراء حواسيب محمولة في الغرب أو بالانتقال بين صناديق مبعثرة من مستندات مصفرة في منازل دمشق.

ذاكرة هو مشروع يسعى لحفظ وتنظيم ما وثّق عن الحرب من منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالصراع بدأ يتجلى منذ الأيام الأولى للانتفاضة عبر اليوتيوب والتويتر والفيسبوك، حين عملت ميليشيات وصحفيون مدنيون على نقل الحرب إلى العالم عبر هواتفهم النقالة وحواسيبهم المحمولة.
وأسفرت جهودهم عن كميات هائلة من المواد المتاحة على الإنترنت، إلا أن كونها متوفرة على الإنترنت ومتاحة الوصول إلى العامة، لا يعني بالضرورة أنها محمية.

“المعلومات من السنوات الأربع الماضية تختفي ببطء، إذ إن كثيرًا منها موجود على يوتيوب وفيسبوك ويتم حذفها”، قالت صابرين شلبي، ناشطة سوريّة أمريكية تبلغ 23 عامًا وتعمل ما بين كاليفورنيا وتركيا. تعمل شلبي في مشروع ذاكرة الذي يهدف إلى فتح مكتب في إسطنبول قريبًا، ويسعى لتأمين التمويل.

وتمنع وسائل التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب نشر محتوى من العنف الدموي أو محتوى من شأنه أن يحرض على العنف أو الكراهية. وهذا ما أدى إلى إزالة العديد من الفيديوهات التي رفعت من قبل مجموعات تقاتل في سوريا، ووضع الكثير من الفيديوهات الأخرى التي لم تتم إزالتها بعد موضع الخطر. وفي حالات أخرى تم الإبلاغ عن صفحات بأنها ذات محتوى غير مناسب أو مسيء، وذلك من قبل معارضين لتلك الصفحات يضغطون بهدف إزالتها، فيما يقوم البعض بحذف منشوراتهم القديمة أحيانًا.

وبالنسبة لذاكرة، يكمن الحل في بناء قاعدة بيانات خاصة بها لمثل هذه الملفات على مخدمات لا تطالها أيدي الحكومات أو المجموعات المسلحة التي تعارض تلك المحتويات، ولا تكون عرضة للإزالة من قبل مواقع التواصل الاجتماعي.

ولكن حتى مع إتاحتها على مواقع مغايرة لمواقع التواصل الاجتماعي، فإن الكم الهائل من المحتوى يجعل من الصعب التصفح خلالها، أو حتى أن تعرف من أين تبدأ. وتقول الآنسة شلبي إنه من المهم تنظيم وترتيب المواد لجعلها متاحة بشكل أفضل للعامة.

“هذا التاريخ، إن لم يحفظ أو يستكمل الآن، فإن كثيرًا منه سيضيع إلى أن نصل إليه”، مضيفةً “الكثير يعتقدون أنه عمل مؤجل إلى ما بعد النزاع”.

ومن واشنطن يعمل عامر مهدي الناشط السوري ومدير البرامج في المعهد الوطني للديمقراطية على جمع وتنظيم الكم الهائل من الجرائد والمنشورات عبر الإنترنت، التي ظهرت في مختلف أنحاء البلاد بعد بدء الانتفاضة، وانهيار قدرة الحكومة على التحكم بالإعلام. إلا أن بعضًا من هذه المنشورات كان عمرها قصيرًا واختفت.

“بعض من هذه الصحف توقفت عن النشر، وقامت بإغلاق مواقعها على الإنترنت لأنها لم تعد تملك القدرة على نشر وتوزيع صحفها”، يقول مهدي الذي يعمل مع فريق من عنب بلدي –صحيفة سورية معارضة- “لدينا القدرة وسنقوم بذلك، لذا بدأنا بجمع الأرشيف”.

وحتى الآن، يضم أرشيف المطبوعات السورية، الذي يديره مهدي، 5000 عدد من 250 مطبوعة من تلك التي انطلقت بعد بدء النزاع.

“أعتقد بأن هذا المشروع سيكون جزءًا من مرحلة العدالة الانتقالية”، يقول مهدي “وفي النهاية، وحسب تصوري، ستعرض جميع هذه الصحف في متحف حيث ستكون متاحة للعامة، لتطلع الأجيال السورية في المستقبل على ما كان يحصل”.

ويهدف هذا المشروع إلى التعمق بالبحث في التاريخ أبعد من النزاع.

“تاريخ سوريا الحديث، وتاريخ هذه الثورة لم يبدأا مع بشار الأسد ولا مع أبيه حافظ”، يقول لقمان سليم، وهو ناشط لبناني يرأس مركز أمم للتوثيق والبحث في بيروت، ويكرس كثيرًا من وقته لجمع ما وثق عن الحرب في لبنان، والتفت مؤخرًا إلى النزاع في سوريا.

“ذاكرة ما قبل البعث كانت أولى ضحايا نظام البعث الشمولي”.

وبالشراكة مع منظمة ايتانا الأهلية الداعمة للديمقراطية والمهتمة بالشأن السوري، يعمل مركز أمم حاليًا على حفظ متفرقات من تاريخ سوريا.

يجمع سليم تاريخ النزاع، كما أنه يبحث عمّا أدى إلى نشوبه، كفترة عام 2000 مثلًا، عندما توفي حافظ الأسد وتسلم ابنه بشار السلطة. ذلك العام شهد ربيع دمشق، عندما تحدث المثقفون السوريون بحرية أكبر عن الوضع في البلاد، وتوجهوا بمطالب اجتماعية وسياسية إلى الحكومة. فانتقال السلطة بدا مؤشرًا على انفتاح نسبي لم تشهده البلاد منذ زمن بعيد.

يقوم سليم بأنه يحاول أيضًا جمع أشياء تتعلق بالحكومة السورية أيضًا، مثل صحف مؤيدة للنظام ومروجة له، “أعتقد أن هذه هي الأشياء الأكثر هشاشة”.
أما عن الحرب، فيقول سليم إنها أيقظت ذكريات محلية عن الماضي والحاضر وسيصعب كبتها. “في نهاية المطاف، أو في نهاية الحرب، ستكون هذه الذكريات مثل جنّي، لن يكون بإمكانك إعادته إلى الزجاجة”.

كذلك يعمل المؤرخ السوري سامي مبيض على جمع سجلات تاريخية تعود لفترة ما قبل النزاع، ويقول “الكثير من تاريخ سوريا لا يوجد في المكتبات، ولا يوجد في المؤسسات الفكرية ومراكز الأبحاث، لا نملك ذلك”.

ويقول بل إن الكثير من تاريخ سوريا يوجد في صور باهتة، وتقارير قديمة منسية في بيوت دمشق وحلب.

“تم إهمال العديد من هذه المحفوظات الشخصية، أو سرقتها، أو حرقها أو إتلافها بسبب سنوات النزاع الأربع”.

يقول مبيض، الذي ما زال يمضي قسمًا كبيرًا من وقته في دمشق، إنه وزملاءه يذهبون للبحث عن منازل العائلات التي تحضّر لمغادرة البلاد أو أنهم غادروا بالفعل، على أمل إيجاد هذه السجلات المنسية لحفظها في نسخة رقمية. ويأمل أنه سيعرض يومًا ما المستندات التي جمعها في متحف.

ويمكن رؤية أهمية الحفاظ على الذاكرة عند الجارة لبنان، حيث انتهت الحرب الأهلية قبل ربع قرن، إلا أن العديد من الأبنية ما تزال تحمل ندوب طلقات الرصاص والشظايا. لكن لبنان لم يتأقلم إلى الآن مع الحرب التي أودت بحياة أكثر من 150 ألفًا من مواطنيه، وألّبت الجيران ضد بعضهم البعض على مدى 15 عامًا.

لم تكتب الحرب في كتب التاريخ التي يتعلمها الأطفال في المدارس، بل يعرفون عنها من خلال ما يأتيهم من أهلهم وأقاربهم. ليس هناك من متحف مكرس للحرب، وليس هناك من ضريح ينعى الموتى.

“لا نعلم حقيقةً ما حصل”، تقول منى حلاق، معمارية وإحدى القوى المحركة لما سيكون أول متحف للحرب في لبنان سيؤسس في بيروت، “من الغريب أنه بعد 25 عامًا من حدث بالغ الأهمية لا يمكنك قول “هذا ما حصل” دون أن يرد أحدهم “لا، لا لا، ليس هذا ما حصل”.

بعد الحرب، تخلص تجار الحرب من الغطاء الذي موهوا أنفسهم به، وارتدوا حلة العمل وأصبحوا نخبة البلاد السياسية. الميليشيات أصبحت أحزابًا سياسية، رغم أن العديد من هذه الأحزاب لا يزال يملك ميليشياته.

رايات الأحزاب التي رفرفت خلال الحرب الأهلية، ما زالت ترفرف حول أحياء بيروت اليوم. وما يزال الرجال وفي بعض الأحياء يخزنون بنادق الهجوم وقاذفات قنابل صاروخية خوفًا من استئناف الأعمال العدائية. فبالنسبة للعديدين، الحرب لم تنته، بل هي في حالة إيقاف مؤقت منذ 25 عامًا.

“أتوقفت الحرب فعلًا في لبنان؟” يتساءل مبيض، المؤرخ السوري. “أتمت محاكمة هؤلاء الذين ارتكبوا جرائم في لبنان حقًا؟”.

وما تزال مناقشة الحرب علنًا من المحرمات، ما يديم الانقسامات في لبنان. وتواجه حلاق مهمة صعبة في إنشاء متحف للحرب، ذلك أن أحداث الحرب خلافية إلى حد بعيد، ويتذكرها الناس بشكل مختلف وفقًا لانتماءاتهم في لبنان، لا بالنظر في حدث معين أو بالحديث عن تسلسلها الزمني، كما تفعل بعض المتاحف.

وتقول حلاق إنه من المهم أن نركز على الجانب الإنساني من تجربة الحرب، وبذلك سيشعر من عايشها أن المشروع يلامسهم فعلًا. وتضيف “الجميع اختبأوا في الحمامات خلال القصف”.

ومما تود حلاق أن تراه، هو استديو للتسجيل، حيث يمكن للزوار جمع ذكرياتهم عن الحرب، أو عن بيروت، دون ذكر أسمائهم. في متحف الفصل العنصري في جوهانسبرغ تم إعداد مشروع مشابه، حين كانت جنوب افريقيا تعمل على مواجهة ماضيها.

وفي الحالة السورية، تأمل حلاق أن عصر وسائل التواصل الاجتماعي سيوفر توثيقًا كان غائبًا في حرب لبنان، وأن يتيح في قادم الأيام مصالحة أسهل.

“لدينا مشكلة بأن الحرب [في لبنان] هي صفحة فارغة”، تعقّب حلاق، “يفترض ألا تكون فارغة. اليوم أمامك كل وسائل التواصل الاجتماعي، وكل [فيديوهات] اليوتيوب، – أعتقد أن هذه الأشياء ستعوض ما لم نحظ به نحن”.

نشر في 15 آذار 2015، وترجمته عنب بلدي؛ لقراءة المقال بالانكليزية اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top