«اضربوا واحد منن.. ونزلو التاني قوصوه تحت»، بهذه البساطة قتل محمود مراد

241.jpg

لم تنته مآسي مجزرة داريا الكبرى بعد، فمازال الحزن يملأ قلوب الأهالي الذين فقدوا أبناءهم أثناء تلك الحملة اللعينة، والأيام لا زالت تكشف قصصًا مؤلمة وذكريات مريعة مرت بهم…

أم الشهيد محمود مراد قدمت نموذجًا مختلفًا، صبرها كان مثار دهشتنا وإعجابنا عندما قمنا بزيارتها، ومحاولات مواساتنا لها اصطدمت جميعًا بقوة إيمانها وصبر قلبها على ما حلّ بابنها الشهيد، فكانت هي من تواسينا وتردد كلمات الحمد والشكر لله طيلة حديثها… «الحمدلله يلي ابني راح شهيد ورفع راسنا بين الناس… وما كان عوايني أو شي تاني»…. «هو طلب الشهادة برمضان والحمدلله نالها».

أخبرينا يا أمي كيف ولمَ قتل محمود؟

«كنا عم نفطر وقت ركض حفيدي الصغير، ابن أخوه للشهيد، ومو طالع معو الحكي من الرعبة… بدو يقلنا إنو الأمن صار عنا بالبناية، كان باب البناية مفتوح مشان العالم تنزل ع القبو ما كنا متوقعين يجي الأمن يومها لانو مبارح كانو بالحارة، فما توقعناهن يجو مرة تانية. سلفي وجوزي وابني كانو قاعدين جنبي بالغرفة وقت كنا عم نفطر، وابني التاني عم يتحمم وابني محمود – الله يرحمو- ورفيقو قاعدين ببيتو بالطابق يلي فوقنا، فات الأمن وبلش تفتيش ع الماشي وما نكت شي بشقتنا وبعدين فاتو ع شقة ابني الكبير وسألو عنو بس ما كان بالبيت كان رايح يدور على خبز فطلعو لفوق وبلشو تفتيش بشقته..»

«واحد منن قرب ع التخت ورفع طرف المسبل وطالع إسوارة عليها علم الاستقلال، منين اجت هي ما كنا نعرف… حتى ابني كان عم يحلف بالله إنها مو الو ولا بيعرف منين اجته… وابني بعرفو ما بيحلف كذب، بس ما كان حدا يرد عليه. فوتوه هو ورفيقو ع الشقة يلي مواجهة شقتو وحبسوهن هني التنين بالمرحاض وجوزي سكرو عليه باب الشقة وبعدين قلن الضابط تبعهن «اضربو واحد منن ونزلو التاني قوصوه تحت».

في منن ضلو فوق عم يضربو رفيق ابني… أما ابني محمود نزلوه إدام عيوني وهني عم يقولو «قوصوه»… كانت هي الكلمة عم ترن بإدني رن…. بس ما بعرف شو صرلي بهديك اللحظة…. انربط لساني وما قدرت قلن شي وما قدرت حتى قرب من شان بعدهن عنو… يمكن لإنو رب العالمين كان مناديلو من هيك ما قدرت ساوي شي!!… وهني ونازلين في واحد منن كان عم يقلنا «بدكن حرية.. بدكن حرية». رفيقو لمحمود كان فوق ومغمى عليه من كتر الضرب…  ما خلو شي وإلا وضربوه  فيه وما تركوه حتى كانو مفكرينو مات».

تضيف إحدى قريبات محمود

«.. أما محمود فنزلوه لتحت ع قبو البناية يلي جنبنا وما عدنا عرفنا شو صار… بعد شي ساعتين خبرونا الجيران أنو في حدا تحت تعو شوفوه مين هو… نزل أبوه ع القبو… لاقى محمود… مستشهد… برصاصة براسو !»

تتابع الأم الصبورة وهي تحاول إخفاء دموعها:

«بعد ما صحي رفيقو لمحمود حكالنا كيف كان ابني يومها رايق وكتير مبسوط وكان عم يقلو: ما بعرف ليش اليوم حاسس حالي كتير مرتاح وكتير مبسوط…. الحمد لله يلي رب العالمين اختار ابني ليكون بالجنة»

بهذه الكلمات ختمت والدة الشهيد محمود مراد كلامها والدمع يملأ عينيها وهي تؤكد لنا أن سعادتها لا توصف بعرس ابنها وأن شيئًا لا يؤلمها سوى فراقه… وأخر ما قالته لنا «الحمدلله على كل حال الله… أعطى والله أخد».

تابعنا على تويتر


Top