«بيت لا بطاقة خضراء فيه جياعٌ أهله»

رمضان تجلّى على السوريين.. لكنه لم يبتسم لهم

_ساعد_مبادرة_خسى_الجوع_في_دمشق_.jpg

حنين النقري – عنب بلدي

كان في ما مضى متشابهًا بين بيوت الجميع؛ في مختلف المحافظات السورية، شهرًا للرحمة والمغفرة والعتق؛ لكنّه اليوم، رغم دخوله كلّ بيت وخيمة، بات غريبًا مختلفًا بين مدينة وأخرى؛ لكلّ رمضانه ولكلّ صيامه وأذانه، فكيف يعيش السوريون رمضانهم في أرجاء سوريا؟

دمشق «بخير»!

يحاول النظام أن يجعل «الدنيا بخير» لأهل دمشق بشتى الطرق، ورمضان هو أحد المواسم المهمّة لإظهار ذلك، فعدا الحواجز المنتشرة والكهرباء وباقي الخدمات المذبذبة؛ يعيش أهل العاصمة رمضانًا شبيهًا بما  كان، اللهم إلا من فارق الأسعار. وعن هذا يقول (ش.ع) من أهالي وسكّان المدينة «كل شيء متوفّر تقريبًا، لكن الأسعار تضاعفت عن العام الفائت بما يزيد عن 25%، واللحوم ازدادت أسعارها بشكل كبير؛ ولولا عملي أنا وجميع أبنائي لما استطعنا أن نستمر بحياتنا بهذا الشكل؛ وضعنا الماديّ فوق المتوسط لم يحرمنا من شيء تقريبًا».

ويضيف «سعر ليتر العرقسوس كان في العام الفائت 25 ليرة بينما نشتريه هذا العام بستين».

لكنّ حال السيّد ش.ع لا يعبّر عن الوضع المعيشي لكلّ ساكني دمشق، التي باتت شوارعها تغصّ بالمشرّدين والنازحين والمتسوّلين، ما جعل بعض الشباب يتّجه لإطلاق مبادرات خيريّة بتراخيص نظامية.

العديد من الجمعيات توجّهت إلى ذلك مثل جمعية الندى والبركة وسواهما؛ وبحسب إحدى الناشطات في مركز خيري للمعونات، فكل جمعية مسؤولة عن عدد من المسجّلين في سجلّاتها لتقديم سلل ومعونات غذائية لهم.

مبادرة «كسرة خبز وخسى الجوع» نشأت أيضًا في رمضان للتبرع «للمتضرّرين من الحرب» بمواد عينيّة أو بالتطوع بإعداد سلل إفطار الصائم، وبحسب صفحة المبادرة «لح ينعمل مطبخ كبير بمنطقة من الشام، لمدة 30 يوم لحتى يفطر فيه كل مين ما معو حق إفطار فيك تتبرع بكيلو رز، ربطة خبز، غرام لحم»، وتشير الصفحة الخاصة بالمبادرة في موقع الفيسبوك أنها لا تستقبل المساعدات الماديّة «نحن ولاد بلد وما منسرق البلد».

رمضان «المعنويات» في الغوطة

رغم متاريس نظام الأسد وحواجزه حولها يدخل رمضان الغوطة متحدّيًا، لا أحد يمكنه اجتياز المعابر والحواجز إلّاه؛ البعض يراه استمرارًا لصيام أهل الغوطة منذ عامين، وآخرون يؤمنون بالرحمة يحملها لهم.

هنا لرمضان معنىً آخر ومشهد مختلف، تحدّثنا المدرسة سنا عن الاستعدادت لرمضان بقولها «كان الناس يشترون المؤونة استعدادًا للشهر الكريم؛ اليوم لا يمكننا أن نستعدّ له إلا بالمعنويات، رمضان هذا العام كان حزينًا لأنه أتى عقب مجزرة راح ضحيتها عشرات الأشخاص، استعدادنا الوحيد أن نلملم جراحنا،  ونذكر شهداءنا».

وتضيف سنا أن جميع رفاهيات الحياة الحديثة ملغيّة في الغوطة «فلا ماء بارد في هذا الحرّ، لا مروحة ولا مكيّف، الفقر مدقع في الغوطة والناس يصطفون بعوز على طوابير الإغاثة، فماذا يفعل أبو العيلة؟».

بينما يرى الرسام أكرم أبو الفوز أن رمضان 2015 هو الشهر الأصعب بين شهور سنيّ الحصار كلّها «بسبب القصف المكثّف وانتشار الفقر بشدّة».

لكنّ الشهر بفضل أهل الخير يمرّ بشكل أفضل، وفق أبو الفوز، «يمكننا أن نقول إن رمضان هو الشهر الوحيد الذي يمكن أن يؤمّن الناس فيه وجبتهم، إذ تعهّدت جميع الجمعيات الإغاثية بالتكفّل لكل عائلة محاصرة بوجبة يوميّة، وهي وجبة قلّ من يستطيع تأمينها في الأيام المعتادة، الموائد الرمضانية في الغوطة مكوّنة من صنف واحد هو طبق المعونة، وشرابنا الماء؛ والحمد لله».

ويضيف أبو الفوز أن الناس كانوا يخجلون من الوقوف على طابور الإعانات وطلب الطعام قبل الثورة ويعتبرونه معيبًا، لكنّهم يتساوون فيه اليوم «قبل المغرب أرى الأطفال والأهالي يركضون حاملين الوجبات إلى منازلهم وبأيديهم بطاقات الإغاثة الخضراء؛ يمكننا القول اليوم: بيت لا بطاقة خضراء فيه جياع أهله، إذ لا قدرة لأحد على شراء المواد الغذائية في ظل سعرها المرتفع».

أما الآنسة (س. و) من أهالي الغوطة فكان لها رأيها المتفرّد «عذرًا رمضان.. أنا أكرهك!، أحبّ الصيام ولكنّي أكره الفروقات التي تظهر في رمضان، من المفروض أن يكون شهرًا يشعر به الغني بجوع الفقير، لكنه اليوم للغصص والفقد، يشعر فيه الفقير بتخمة بطون الأغنياء!».

حمص.. هل تعودين؟

يحاول من تبقّى من أهل حمص ومن عاد إليها إحياء عادات رمضان كما كان؛ لكن ذلك مجرّد تحايل على الوضع، فلا أهل حمص هم ذاتهم اليوم، ولا شوارعها هي نفسها، بالإضافة إلى غياب مظاهر رمضان كلّيًا في الأحياء المؤيدة للنظام، يقول السيّد عبد من أهالي حمص «نحاول أن نحيي أجواء رمضان قدر  الإمكان، رغم قلّة أعداد السكّان مقارنة بالماضي، وانحسار أماكن تواجدنا لتصبح فقط في أربعة أحياء هي: الإنشاءات، كرم الشامي، الغوطة والملعب، ما تبقّى من حمص إما أحياء مؤيّدة أو مدمّرة بشكل كليّ، أو محاصرة كالوعر».

ويضيف السيد عبد أن اختلاف رمضان اليوم عمّا كان سابقًا واضح في الشوارع «فالحركة التجارية التي يفترض أن تكون في أوجها قليلة جدّا، والكثير من الناس لا قدرة لهم على مجاراة التضخّم وغلاء الأسعار، لكنّنا رغم ذلك نحاول أن نحتفي برمضان كما يليق به».

شراب «الجلّاب» هو من أشكال الاحتفاء الحمصيّ برمضان وعادة لا زال أهل حمص ملتزمين بها، تقول الآنسة نور «لا مائدة إفطار بدون شراب الجلّاب، وخبزة رمضان (المعروك) صحيح أن كلّ شيء تضاعف سعره، لكنّ الجلّاب لا يقاوم في هذا الحرّ، وهو من الأمور التي تعطي المائدة جوّها الرمضانيّ المميز».

الحسكة بدون شبابها

تعتبر محافظة الحسكة من المناطق التابعة لتشكيلات عسكرية مختلفة، لكنّ هذا لم يمنع أهلها من استقبال رمضان كما كلّ عام حسب الآنسة فاطمة من سكّان المحافظة، «رغم الحرّ الشديد وغياب الكهرباء وتقاسم الحسكة من قبل العديد من التشكيلات العسكرية، إلا أن رمضان رائع كما كل عام؛ المختلف في هذه السنة هو أن عددًا كبيرًا من الشباب هاجروا خارج سوريا، بالإضافة إلى الوجوه الجديدة التي تعيش معنا في الحسكة اليوم من مناطق سوريّة أخرى، مع أنّي أمضي رمضان وحيدة مع أمي إلا أن جيراننا من حلب جعلوا لرمضاننا نكهة فريدة».

وكما كانت سابقًا، تشهد شوارع الحسكة انتشارًا ملحوظًا للبسطات الرمضانية لبيع العرقسوس والمعروك، لكن الأسعار لا تشبه الماضي أبدًا، «رغيف المعروك المتوسّط الحجم بـ 200 ليرة والأسعار بمعظمها نار، كما تشهد مقاهي الإنترنت إقبالًا كبيرًا، وهي المكان الوحيد الذي يلمّ شمل الأهل بأبنائهم المسافرين، ولو عن بعد».

من الأشياء التي افتقدتها الحسكة حسب الآنسة فاطمة مدفع الإفطار والسحور، وتضيف ضاحكةً «ربما قرّر النظام عدم استخدام المدافع لكثرة أصوات القصف، حتى لا يختلط الأمر على الناس».

دمشق، حمص، الغوطة، الحسكة ومحافظات أخرى يطرق رمضان بابها جميعًا، لكنّ كلًّا منها تستقبله بما لديها؛ وما أشدّ اختلاف موائد السوريين اليوم، تلك التي كانت تغصّ بالزوار والأهل و»سكبة الجيران»، وصارت اليوم فقيرة باللمة فقرها بالغذاء.

ليالي رمضان كانت تحلو مع أصوات توفيق المنجّد وحمزة شكّور «رمضان تجلّى وابتسما، طوبى للعبد إذا اغتنما»، لكنّه لو كان حيًّا إلى اليوم ربما لغيّر رأيه، لأن رمضان وإن كان تجلّى للسوريين جميعًا حتى مهجّريهم، فهو لم يبتسم لهم، أو على الأقل، لم يوزّع ابتسامته بالتساوي عليهم.

تابعنا على تويتر


Top