رجال السلام في قفص المحكمة الميدانية

281.jpg

سُمّيت المرحلة التي كانوا يتقدمون فيها صفوف المتظاهرين بالمرحلة الذهبية والأكثر تألقًا للحراك الثوري المدني في داريا، كانوا ومازالوا مثالًا براقًا للعمل الثوري السلمي، وأصبحوا أيقونته على امتداد أرض سوريا…. هم شعلة الثورة في هذه المدينة لم يرفعوا شعارًا في مظاهرة إلا وكان فهمًا راسخًا في أذهانهم ومبدأً يعملون به، هم صفوة شباب الثورة على مستوى البلاد كلها…. اليوم وبعد مرور أكثر من عام على اعتقالهم يقبعون في سجن صيدنايا العسكري وتتم محاكمتهم أمام المحكمة الميدانية العسكرية.

يحيى الشربجي، إسلام الدباس، مجد خولاني، محمود جنح، أنس عليان، مازن الشربجي، أبو مسلم خولاني… وغيرهم الكثير ممن تقدموا الصفوف لتقديم الورود والماء لجنود النظام، وللمحافظة على سلمية الحراك وتَحضْرِه، هاهم اليوم يواجهون تهم التخابر مع الخارج وحمل السلاح!! والتآمر على نظام الحكم وتشكيل مجموعات سرية بهدف قلب نظام الحكم!! مع إجبار بعضهم تحت التعذيب على الإدلاء بشهادات كاذبة ضد رفاقهم وإجبارهم على التصديق عليها بالتوقيع .

منذ وصول حزب البعث إلى السلطة بانقلاب عسكري صدر العديد من القوانين والمراسيم التشريعية المتعارضة مع الدستور القائم آنذاك والتي أسست لحكم استبدادي شمولي تنعدم فيه الحريات العامة وحقوق الإنسان، بدءًا من إعلان حالة الطوارئ بموجب أمر عسكري خلافًا لقانون الطوارئ نفسه، مرورًا بتشكيل المحاكم الميدانية العسكرية وتوسيع صلاحياتها لتشمل حالات الاضطرابات الداخلية وذلك لاستخدامها لتصفية خصوم النظام السياسيين وعلى رأسهم الإخوان المسلمون.

المحكمة الميدانية العسكرية استقر الفقه القانوني على أنها نوع شاذ من أنواع القضاء وذلك بالنظر إلى تشكيلها وصلاحياتها وطبيعة أحكامها.

تتشكل المحكمة الميدانية بقرار من وزير الدفاع من رئيس وعضوين، ويقوم بوظيفة النيابة العامة قاضٍ أو أكثر من النيابة العامة العسكرية تتم تسميتهم أيضًا من قبل وزير الدفاع، وبالتالي فإن طريقة تشكيل المحكمة تُعدّ بحد ذاتها إعدامَا لمبدأ استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية، حيث أن جميع أعضاء هذه الهيئة يختارهم وزير الدفاع بالنيابة عن قائد الجيش والقوات المسلحة رئيس الجمهورية.

صلاحيات المحكمة الميدانية واختصاصاتها كانت محصورة بالعسكريين في زمن الحرب أو أثناء تنفيذ عمليات حربية لتقوم بمهمة القضاء العسكري اختصارًا للوقت والإجراءات، إلا أن نظام البعث بقيادة حافظ الأسد وسّع صلاحيات المحكمة لمواجهة معارضيه لتصبح مختصة بمحاكمة المدنيين في حال حدوث اضطرابات داخلية.

تُصدر المحكمة الميدانية أحكامها بشكل قطعي غير قابل للطعن بأي طريقة من طرق الطعن وهو ما يتعارض مع كل المبادئ القانونية والإنسانية في مراجعة الأحكام القضائية وجعلها على درجتين لإتاحة الفرصة أمام المتهم الدفاع عن نفسه وتقديم دفوعه. وجدير بالذكر أن وزير الدفاع السابق طلاس قد صرح لمجلة ديرشبيغل الألمانية أنه كان يوقع على قرارات إعدام 150 شخصًا أسبوعيًا صادرة عن المحكمة الميدانية!!!

ومما لاشك فيه أن طبيعة تشكيل هذه الهيئات وطريقة إصدارها للأحكام يجعل القائمين عليها يتحملون مسؤولية هذه الأحكام وأثرها على من صدرت بحقهم، وهو ما يوجب على المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية التحرك لإيقاف هذه المحاكمات المخالفة لكل مبادئ حقوق الانسان والضغط على حكومة الأسد لإحالة جميع المعتقلين إلى القضاء العادي.

أبطال الحراك الثوري في داريا ورفاقهم عُرضوا على المحكمة الميدانية مرة أخرى في الثالث من الشهر المنصرم، ولا يُسمَح للمحامين المشاركة في جلسات محاكمتهم ومازالوا حتى اليوم ينتظرون المجهول.


تابعنا على تويتر


Top