الداروينية الأسدية

أحمد أرسلان

قبل أكثر من مئة وخمسين عامًا، قامت الدنيا ولم تقعد على رأس تشارلز داروين إبّان طرحه نظرية التطور الطبيعي، ومفادها أن جميع الكائنات الحية التي تعيش الآن على سطح الأرض قد تطورت عن كائنات أدنى.

وعلى الرغم من ثبات بطلان النتائج التي توصل إليها داروين في العلم الحديث، إلا أن النظرية قد قامت حقًا على مبادئ صحيحة.

فدعائم هذه النظرية تقوم على مبدأين جوهريين؛ أولهما: أن جميع الكائنات الحية تعيش صراعًا مستمرًا من أجل البقاء، والثاني: أن البقاء للأصلح والأقوى.

وتؤكد لنا التجربة اليومية المستمرة صدق هذين القانونين في الطبيعة، بغض النظر عن النتائج الخاطئة التي توصل إليها داروين.

ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة صحة النظرية أو بطلانها، وإنما مناقشة هذين المبدأين وتطبيقاتهما في حياتنا. فقد حاول النظام السوري على مدى أربعة أعوام أن يقنع الشعب السوري، والرأي العام العالمي، والكون أجمع، بأنه هو الأصلح والأنسب لقيادة البلاد والعباد، وبزواله يزول الأمن والاستقرار، وتتحول البلاد إلى بريّة تسرح فيها الوحوش الضارية، وتعمها الفوضى العمياء، ويلتهم فيها القويُّ الضعيف.

لكن مطالعة دروس وعِبَرِ التاريخ الكثيرة تؤكد لنا أن إرادة الشعوب كانت دائمًا هي الأقوى والأصلح. ولطالما حققت انتصارات عظيمة على حكوماتها الاستبدادية وفرضت إرادتها الحرّة.

لكن ما الذي يحدث مع النموذج السوري؟ ولماذا طالت فترة الصراع؟

ما يحدث هو أن النظام السوري اتبع سياسة «فرّق تَسُد»، وبذل كل جهوده لتشتيت أبناء الشعب الواحد وبث النزاعات والصراعات فيما بينهم، متبعًا خليطًا من سياسة ميكافيلية داروينية مُنكّهةً بنكهةٍ أمريكيةٍ صهيو-إيرانية.

وما يدعو لأشدّ الأسف حقًا هو أن كلّ مؤتمر حوارٍ يدعو إلى لمّ شراذم المعارضة السورية السياسيّة وشتاتها التائه، والحائر في كيفية إرضاء القوى الإمبريالية علّه يستأثر بالسلطة المستقبلية وحده، ما يلبث أن ينقلب إلى ساحة للصراع وينتهي بمزيد من الشّقاق والتباعد.

ولن يتحقق النصر إلا إذا ثَبَتَ أنَّ الشَّعب هو الأقوى والأصلح لقيادة الأمة المستقبلية. ولِكي يثبت ذلك، ويحقق بالنتيجة النصر الحتمي، لا بدّ له من الاتحاد والتعاضد والتكاتف، وأن يُثبت أنه شعب واحد، وليس جماعات متفرقة كما أراد له النظام السوري دائمًا أن يكون.

تابعنا على تويتر


Top