لا حكومة ولا مجلس.. ولا حتى منظمات

ورشة فردية لتصنيع الأطراف في ريف حمص الشمالي

-أبو-حسام.jpg

عنب بلدي – ريف حمص

“أوثق كل حالة عبر صفحتي الشخصية على الفيس بوك… هذا ما أستطيع فعله كي يعلم الناس أن هناك من يستطيع صناعة أطراف خلال وقت قصير دون أن يكلفهم آلاف الدولارات”.

 

في محاولة لإعادة البسمة إلى شفاه من فارقتهم أطرافهم، ومساعدتهم على التأقلم مع وضع فرضته الحرب التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من أربع سنوات، جاءت فكرة تصنيع الأطراف البلاستيكية، لتلبي احتياج العشرات من المصابين المحاصرين في ريف حمص الشمالي، في ظل غياب مؤسسات وهيئات مختصة بهذا المجال.

فاروق نور الدين، الملقب بأبي حسام، من سكان مدينة حمص، انتقل إلى الريف هربًا من نظام الأسد، وبدأ في أيلول الماضي العمل من داخل ورشة صغيرة في إحدى بلدات ريف حمص الشمالي (نتحفظ على ذكرها لأسباب أمنية)، محاولًا تأمين أطراف صناعية لمن فقدوا قدمًا أو يدًا، لتعويضهم جزئيًا عما خسروه.

يقول أبو حسام إنه وجد حالات بتر كثيرة في الأطراف العلوية والسفلية في المنطقة التي يعيش فيها، فخطرت بباله فكرة تزويدهم بأطراف بلاستيكية، بحكم معرفته السابقة بصناعة البلاستيك من المواد الأولية، “هذا الأمر سهل عليّ تصنيع الأطراف بشكل يتناسب مع حالة المصاب”.

أبو حسام، تحدّث لعنب بلدي عن كيفية صناعة الطرف البلاستيكي ومفاصله من خلال قوالب يجهزها، وعن الحالات المختلفة للبتر التي يتعامل معها:

طرف صناعي بأقل من 100 دولار

“لا نملك أطرافًا أجنبية جاهزة لنعرضها في ورشتنا، لدينا بتر المشط وبتر منتصف الساق وبتر فوق الركبة، أي أن لكل مصاب حالة ومقياس مختلف يفصّل الطرف على أساسه”.

يحاول أبو حسام تأمين المواد الأساسية اللازمة بشتى الوسائل، في ظل الحصار الذي تعاني منه المنطقة، مشيرًا إلى صعوبات أخرى عديدة يواجهها خلال عمله، كالتعامل مع السماسرة والتجار المنافسين، الذين يبيعون الأطراف الأجنبية بآلاف الدولارات، “هاجمونا وحاولوا إغلاق ورشتنا الإنسانية، ولكنهم لم يقدروا لأننا على حق إن شاء الله”.

ويشير أبو حسام إلى أن المبالغ التي يتقاضاها ثمنًا للأطراف “زهيدة جدًا”، وبالكاد تغطي تكاليف التصنيع، “في بداية عملي بعت أول طرف صنعته بمبلغ 8 آلاف ليرة سورية، ثم رفعت السعر إلى 10 آلاف، ثم وصل بعدها إلى 15 ألفًا، لأنني أعاني كثيرًا في تأمين المواد الأساسية التي تساعدني في إتمام ما أقوم به”.

وفي حين كلف تصنيع طرف لحالة “ميئوس منها” 30 ألف ليرة فقط، أي ما يعادل 100 دولار، يقارن أبو حسام أسعار الأطراف التي ينتجها بأسعار الأطراف الأجنبية:

إعادة تأهيل المصابين بعد تركيب الطرف

يصنّع الطرف على أساس مشورة طبية يقدمها معالج فيزيائي، يساعد في تقييم الحالة من الناحية الطبية، ويشرف على التهاب الجرح أو البتر، كما يراقب الحالة الصحية للمصاب خلال استخدامه للطرف.

أبو ضياء، أخصائي معالجة فيزيائية يعمل مع أبي حسام ويساعده في تصنيع الجبائر والأجهزة الاستنادية، يتلخص عمله بإعادة تأهيل المصاب قبل تركيب الطرف أو الجبيرة، ويتابع الحالة بعد التركيب ويراقب مدى الاستفادة الطبية للمريض منها.

عنب بلدي التقت الأخصائي، وقال إن الورشة تعاملت مع العديد من الحالات كهبوط اليد وهبوط القدم، “يُركب الطرف لحالة البتر غالبًا بعد 5 إلى 6 شهور، وهو الوقت الذي يجب أن يمضي كي يستعيد المصاب القوة العضلية والمدى الحركي لمفاصله، وخلال هذه الفترة نصنع الجذمور العظمي للمصاب (القطعة التي تصل الطرف الصناعي بمكان البتر)، ونتابع وضعه الطبي، ثم ندربه بشكل تدريجي حتى يصبح قادرًا على استخدامه بشكل جيد”.

لو لم تقصر المنظمات لما كان لي دور

تقدم الورشة خدمات أخرى غير صناعة الأطراف، ويساعد أبو حسام المتضررين من الأطفال جراء الأذيات والأمراض المؤثرة على جهازهم الحركي، كمرض نقص الأكسجة الدماغي، إذ تؤمن الورشة لهم الأجهزة الاستنادية وتساعدهم على التأقلم مع الطرف في بداية تركيبه.

ويشرح أبو حسام الحالات التي عالجها، ويتحدث عن المساعدات الأخرى التي تقدمها الورشة، موجهًا رسالة إلى المنظمات “المقصرة بحق جميع السوريين”:

“أبو حسام ثروة لا تقدر بثمن”

أمّنت الورشة أطرافًا لـ 38 حالة حتى الآن، بحسب أبي حسام، منهم علي أبو حمزة، وهو مقاتل في الجيش الحر، بُترت قدمه خلال معارك زور السوس في ريف حماة إثر سقوط قذيفة هاون بالقرب منه.

يقول أبو حمزة “أصبت منذ شهرين ولم أحصل على مساعدة من أحد، إذ لا يوجد أي منظمة تساعدنا في هذه المنطقة؛ هناك أطراف تؤمن من الخارج ولكن ليس لدي القدرة على دفع مبالغ كبيرة”.

لكن أبا حمزة وصل أخيرًا إلى ورشة أبي حسام، وساعده على المشي مجددًا،”لست الوحيد الذي استفاد من هذه الورشة فهناك عدد كبير من منطقتي حصلوا على أطراف منها”، يقول أبو حمزة، مؤكدًا لعنب بلدي أن الطرف جيد ويساعده في الحركة “وإن كان يحتاج وقتًا للتأقلم”، مشيدًا بعمل أبي حسام.

حسام أبو عمر، مصاب آخر من سكان ريف حمص، فقد ساقه خلال غارة استهدفت بلدته، تحدث إلى عنب بلدي عن حالته ووجه رسالة إلى المسؤولين والهيئات والمنظمات المختصة:

عبد السميع، من سكان ريف حمص أيضًا، تعرض خلال معركة الفيلات في منطقة المشرفة لإصابة أدت إلى بتر يده اليمنى. يقول إنه عانى كثيرًا في بداية إصابته، وانتظر خروجه إلى تركيا لتلقي العلاج، ولكن تكاليف السفر العالية أجبرته على البقاء والانتظار.

يردف عبد السميع أن أصدقاءه أشاروا عليه بشراء طرف صناعي من الخارج بكلفة تصل إلى 3500 دولار، وذلك قبل أن يلتقي بأبي حسام، الذي عوضه بطرف من صنعه:

لا إحصائيات ولا مشاريع لدى الحكومة المؤقتة

مع نقص الاهتمام بهذه الفئة من متضرري الحرب، وصعوبة تحديد العدد الحقيقي لمبتوري الأطراف، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان 148 ألف حالة بتر نتيجة الإصابة بقصف القوات الحكومية (الجوي والمدفعي)، كانت معظمها في حلب وريف دمشق وإدلب ودرعا، بحسب هدى العلي الباحثة في الشبكة، مشيرة إلى أن الإحصائية تشمل الأعداد حتى منتصف تموز الجاري.

عنب بلدي التقت الدكتور محمد وجيه جمعة، وزير الصحة في الحكومة السورية المؤقتة، وقال إن الوزارة انتهت من برنامج لمشروع التعامل مع الجرحى السوريين “بشكل عام”، يستطيع أن يدخل إليه كل جريح سوري أينما وجد ومهما كانت إصابته ويسجل معلوماته مرفقًا صورته، “أنتجنا البرنامج وحاليًا نعمل على توفير موقع له، لكي ننطلق في حل مشكلة قرابة مليوني جريح بينهم أكثر من مئتي ألف معوق”.

وأشار جمعة إلى أن الوزارة لا تملك إحصائية واضحة للمعوقين، “كما لا تملكها أي منظمة أخرى”، مضيفًا “لا أريد الوقوع بفخ ذكر الأرقام التقريبية التي قد تسيء مستقبلًا لمشروع البرنامج”، مؤكدًا أن البرنامج يخدم الوزارة في جمع إحصائية عن الجرحى وتقديمها للمنظمات المعنية، وعلى رأسها المنظمة الدولية للمعوقين لتصحيح وضع المعوقين صحيًا واجتماعيًا، “لأننا عندما نحقق نسبة من الإعاقة يكون لنا الحق بشيء من الدعم الاجتماعي”.

أما المجلس المحلي لمحافظة حمص، فأشار مدير مكتب المتابعة والتقييم فيه، عمر إسماعيل، إلى أن المجلس لا يملك حتى اليوم أي مشروع لدعم مبتوري الأطراف، ولكنه دعم المعوقين في أحد مشاريعه، مضيفًا “يدرس المجلس حاليًا مشروعين لدعم المعوقين عبر مركزين في ريف حمص الشمالي، وسيكون تأمين الأطراف الصناعية هدفًا ضمن هذين المشروعين”.

أعداد الجرحى أبيض

يزداد عدد السوريين الذين فقدوا أطرافهم جراء استمرار الحرب في سوريا، لاسيما مع استخدام النظام للبراميل المتفجرة والذخائر المتشظية في هجماته على المدن والبلدات الخارجة عن سيطرته، ويحتاج مبتورو الأطراف إلى عناية خاصة، ويعانون من صعوبة الحصول على أطراف صناعية تمكنهم من التأقلم مع الإعاقة، كما تخلف هذه الحالات آثارًا سلبية على نفسياتهم وسلوكهم اليومي. فهل ستعمل المنظمات الإنسانية والهيئات الرسمية على إيجاد حلول تخفف من معاناتهم، أم ستترك المهمة لمبادرات شخصية (أمثال أبي حسام) لعلاج هذه المعضلة؟

أعدت هذه المادة بدعم من البرنامج الإقليمي السوري

تابعنا على تويتر


Top