أطفالنا بين الحرية والتربية

293.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 36 – الأحد – 28-10-2012

ككلّ الثورات في العالم، تواجه ثورتنا مشاكل وأخطاءً من الطّبيعي جدًا أن تظهر الآن، فالأمراض الاجتماعية التي خلّفتها عقودٌ طويلةٌ من حكم البعث ليس من السهل اجتثاثها واقتلاعها من المجتمع بمجرّد قيام ثورةٍ على النّظام الحاكم… ولعلّ من أخطر هذه الأمراض الاجتماعيّة الّتي ينبغي تناولها بعنايةٍ واهتمامٍ هي مشاكل التّربية وأساليبها!!

للأسف الشّديد لا يلقى موضوع (تربية الطفل) في مجتمعاتنا الشّرقية اهتمامًا حقيقيًا بعكس العديد من دول العالم المتقدم، فمشكلتنا في الواقع هي مشكلة أجيالٍ بأكملها لم تتم تربيتها في صغرها على قيم الحرية والمجتمع التعددي، ولم تمارس يومًا أيّ شكل من أشكال الحياة الديمقراطية، ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل حتى فيما يتعلق بأصغر تفاصيل الحياة الاجتماعية! بدءًا من الأسرة وانتهاءًا بالمدارس ورياض الأطفال!

لو نظرنا إلى تلك المؤسسات التربوية في بلداننا العربية لوجدنا أنها كثيرًا ما تكون في شكلها وأدواتها وآليات عملها، صورةً مصغّرة لسياسة النظام الحاكم… حيث المناهج التّعليميّة القائمة على التلقين والحفظ، إضافةً إلى الأساليب الخاطئة التي يتم اتباعها في التربية والتوجيه، فتقريبًا في جميع المدارس ورياض الأطفال والعديد من الأسر يتم اتباع وسائل تربويّةٍ قائمةٍ أساسًا على القمع والعنف والتّسلّط والاستبداد، فضلًا عن الطاعة العمياء، مع غياب لغة الحوار بشكل واضح. وإنّ غياب الحوار التربوي لوحده لكفيلٌ بتفسير مظاهر الإقصاء وعدم قبول الاختلاف في مجتمعنا، فعندما يكون إرشاد الطفل إلى الصواب من خلال إلقاء الأوامر المتكررة ومطالبته بتنفيذها فورًا دون السماح له بالسؤال أو الاعتراض، ينشّئ الطفل ضعيفَ الشخصية غير قادرٍ على قبول الآخرين أو محاورتهم عندما تخالف آراؤهم وتوجهاتهم قناعاته الشخصية، فيكثر الإقصاء والتخوين وتتحول النقاشات إلى مشاحنات لا جدوى منها… لذلك نجد أنّ علوم التربية الحديثة والإرشاد النفسي كثيرًا ما تركز على ضرورة الحوار مع الطفل كوسيلةٍ تربويةٍ إرشاديةٍ وتعليميةٍ أيضًا. كما أنّ الحوار هو الوسيلة التربوية التي أمر بها الإسلام، وهذا ما نستمده من هدي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام..

أما بالنسبة لمظاهر القمع والعنف المتبعة في التربية، فهي أساليبٌ خطيرةٌ فعلًا وتحتاج منا إلى اهتمامٍ وجدية بالغين. ولعل من أسوأ الأشياء في دورنا ومدارسنا أساليب العقاب المتخلفة التي يلجأ إليها المربّون لتقويم سلوك أطفالهم، فقد أضحى ضرب الأطفال من المشاهد اليومية التي ألفَها الناس وصارت أمرًا اعتياديًا لا يواجه أيّ رفضٍ أو إنكارٍ من قبلهم، وربّما لا يكون العنف النفسي واللفظي في العقاب أقل سوءًا على نفسية الأطفال وشخصياتهم من العنف الجسدي، حيث أصبح أيضًا من الأمور الاعتيادية سماع من يوبخ طفله بكلماتٍ من قبيل (لأفرمك) و (لأدبحك) وغيرها من الكلمات العنيفة والشتائم التي امتلأت بها قواميس التربية!!

في الواقع هناك شروطٌ نفسيةٌ وأخلاقيةٌ يشترطها علم النفس الحديث للعقاب، إذ لا يجوز أبدًا أن تؤدي العقوبة إلى إهانة الطفل وإهدار شخصيته وكرامته التي خلقها الله تعالى فيه. كما أنّ احترام كرامة الطفل في التربية ليس ضرورة اجتماعية فحسب، بل هو ضرورة دينية كرّسها الإسلام وأمر بها، ويظهر ذلك جليًّا في نَهْي رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن العنف وإهانة كرامة الطفل عندما قال: «لا تضرب الوجه ولا تُقبّح»، «علّموا ولا تُعنّفوا، فإن المعلم خيرٌ من المُعنّف»، «إنّ الرّفق لا يكون في شيءٍ إلّا زانه، ولا يُنْزَعُ مِن شيء إِلا شانَه» وغيرها الكثير…

لكن ما علاقة العنف التربوي بمشاكل الثورة التي نتناولها في هذا المقال؟

هذا السّؤال تجيب عنه التساؤلات التالية التي تطرح نفسها بقوة في هذا السياق: كيف يمكن لطفلٍ اعتاد في صغره على الضرب والإهانات أن يدرك قيمة الكرامة والحرية التي خرجت ثورتنا لأجلها وطالب بها الناس؟! كيف يمكن أن نفهم تلك المفارقة بين أن يُطالب  ثائرٌ ما بالكرامة لنفسه وأبناء بلده بينما يُعاقب ولده المذنب بأسلوبٍ يجرح كرامته الإنسانية؟!

هذه التّساؤلات وغيرها يجب أن تدفعنا إلى إعادة ترتيب أولويّاتنا وتحرير أنفسنا من قيود النظام وعقليته البالية. فالعمل على تغيير المنظومة الفكرية التربوية في المجتمع بشكلٍ كاملٍ هو في صميم العمل الثوري، ومن أهمّ مرتكزات ثورة الحرية والكرامة التي خرج من أجلها الشعب السوري…

لأننا نحلم ببناء مجتمعٍ حرٍّ كريمٍ، علينا أن نعمل على بناء الإنسان الحرّ المدرك لقيم الحرية والكرامة الإنسانية. وبناء هذا الإنسان لا يكون إلا من خلال القيام بثورةٍ شاملةٍ على أنظمة التربية والتعليم في جميع المؤسسات التربوية، وذلك من خلال خطة عمل مدروسةٍ بدقةٍ وعنايةٍ يتعاون على وضعها وتطبيقها أهل العلم والاختصاص. ولابدّ أن تكون هذه الخطة مُرفقةً بآليات تنفيذٍ واضحةٍ قابلة للتطبيق وفق الأولويات اللازمة… فعلى سبيل المثال يجب البدء بإلغاء كافة أشكال الضرب من المدارس ورياض الأطفال، ليس بقوانين جامدةٍ بل من خلال قانونٍ مُرفقٍ بالوسائل التنفيذية التي توفّر البدائل التربوية الصحيحة. كما أنه ينبغي ألا نسارع إلى تغيير مناهج التعليم قبل إعادة تأهيل الكوادر التعليمية من معلمين ومرشدين وغيرهم، ليكونوا قادرين على استيعاب مناهج حضاريةٍ بديلةٍ لم يعتادوا عليها من قبل، وهكذا…

لسنا هنا بصدد طرح كافّة الحلول، فكما يُقال (أهل مكّة أدرى بشعابها) والتعامل مع هذا الموضوع له أهله من أخصائيين نفسيين ومُرشدين اجتماعيين وغيرهم. وإنّما نهدف من خلال هذا المقال إلى تسليط الضوء على مشكلةٍ ظهرت آثارها بوضوحٍ في ظل الثورة…

إذن، هي ثورةٌ فكريةٌ عارمةٌ تحتاج إليها ثورة الشعب السوري، ندعو الله تعالى أن يوفقنا إليها لأنّنا جمعيًا نحلم بسوريا المدنية التعددية، سوريا المواطنة والعدالة وسيادة القانون، سوريا الحرية والكرامة الإنسانية لجميع أبنائها…


تابعنا على تويتر


Top