هل يسمع الطيّار استغاثات الأحياء تحت الأنقاض؟

لحظات بين الموت والحياة.. هكذا يعيش أهالي الغوطة رعب «الغارة»

-يعيش-أهالي-الغوطة-الغارة.jpg

حنين النقري

اختلفت أسماء الأسلحة التي واجه بها النظام السوريين منذ بداية الثورة، ففي البداية كان الغاز المسيل للدموع والرصاص الحيّ أكثر ما يخشاه الناس، لكنّ قائمة طرق الموت بدأت تتطوّر وتطول فشملت القنص، والهاون، والقذائف المدفعية، ثم الغارات على أنواعها وأنواع ما تلقيه.

لحظة هي إذن، تفرّغ الطائرة حمولتها وحقد مُرسِلها على الأهالي، لحظة فارقة بين الموت والحياة، الخوف والرجاء، الضياع والنجاة، لكنّ الناس يعيشونها بأشكال مختلفة وبمشاعر متضاربة، وما بين خوف طفل في ملجأ وطبيب مسعف في مشفى وعنصر دفاع مدنيّ في مكان الغارة، يتلخّص مشهد كامل من الرعب ومحاولات البقاء.

«الشيطانة» والحاجة أم زهير

الحاجة أم زهير سبعينية في العمر، تعيش في الغوطة الشرقية منذ ولادتها ولم تخرج منها حتى اللحظة، وتقول بصوت مختنق بالغصّة إنها فور سماع الغارات تفكّر بأبنائها وأحفادها «أين هم الآن يا ترى، أين فلان، أين ضربت الطائرة، لا وسيلة لمعرفة مكان الضرب سوى من أقوال الناس ومدى ارتفاع صوت الغارة، يا ترى من سيفارقنا ونصحبه إلى المقبرة، من جاء نصيبه؟».

تعيش الحاجة أم زهير مع ابنها وأحفادها، وتنقل حادثةً جرت معها حين أوقدت النار في شرفة منزلها وبدأت تخبز في أحد الصباحات الهادئة لكن الطائرة أغارت بالقرب منها، وتكمل «حاولت أن أنهض من مكاني فلم أستطع، قوّة ما كانت تجذبني إلى أسفل، سمعت أصوات صراخ الناس في الشوارع، شاهدت أشياء غريبة تطير في الهواء طناجر وشظايا من البيوت المدمرة، كان الغبار منتشرًا في كل مكان، لحظات لا أنساها في حياتي مع تكرار محاولاتي للوقوف والدخول إلى منزلي وأصوات بكاء الأطفال وصيحات الأهالي وأبواق سيارات الإسعاف».

في النهاية، استجمعت أم زهير قواها ودخلت إلى المنزل بعد أن دُمرت عدة بنايات وسوّيت بالأرض على من فيها، لكن الطائرة عادت وألقت نيرانها مجددًا على مكان الغارة السابقة حيث تجمّع المسعفون والناس.

تطلق الحاجة على الطيارة اسم «الشيطانة» لما تراه فيها من أذىً وشرّ، وتعتبر أنها رأت في هذه السنوات الأخيرة ما لم تره في عمرها كله.
ولأن منزلها في طابق منخفض فإن سكان الطوابق العليا يأوون إليه عند الغارة، وتصف ذلك «أسمع أصواتهم على الدرج مذعورين خائفين، كل أم تحمل أبناءها وتستعجلهم لينزلوا إلى بيتي، أدخلهم ونجلس جميعًا في غرفة جوانية إلى أن تنتهي الأصوات والغارات فيعود كلّ إلى ببيته لنلتقي في الغارات القادمة، هذه الأمور تتكرر في حياتنا كثيرًا لكننا لم نعتد عليها بعد».

أم سامر في غرفة العمليات

بعد 9 أشهر من الحمل توجّهت السيدة أم سامر إلى المشفى لتضع مولودها البكر، وبينما كانت في غرفة العمليات استُهدفت المشفى بغارة جويّة، وتقول أم سامر «كانت لحظات عصيبة، فإضافة لآلام المخاض وعدم وجود تخدير أو أدوية كما السابق، سمعتُ فجأة أصوات الطائرات تلاها دويّ لانفجارات قريبة، اهتز المكان كله وسقطتُ أنا والجنين من السرير على الأرض، امتلأت غرفة العمليات المعقّمة بالغبار، لا زلت أذكر تلك الحادثة وأستغرب كيف نجوت أنا ووليدي بأعجوبة».

لكن الأمور لم تنتهِ بالنسبة لها، إذ تبين بعد الفحص أن ما جرى سيترك بصمته في حياة سامر وأمه للأبد حين أخبرها الأطباء أنه أصيب بنقص في الأكسجة، وتكمل «عانى سامر من نقص الأكسجة وضعف في النمو بالإضافة لاختلاجات مستمرة، لم تساعده هنا ظروف الحصار والأوضاع الأمنيّة فتوفّي بعد عام وشهرين، راضية بقضاء الله، الحمد لله».

تعيش أم سامر تلك اللحظة مرارًا مع كل غارة تعيشها في الغوطة، وتضيف «لا زلت أتذكر الحادثة وأسترجعها عندما تخترق الطائرة جدار الصوت، لا أعتقد أن هذه الذكرى ستفارقني يومًا».

«لأني أخاف من الموت»

«أكره الغارات فهذا يعني أن نمضي نهارنا كله في القبو»، هذا ما تنقله ندى، صاحبة العشر سنوات من أطفال الغوطة، وأكثر ما يزعجها في الغارة إضافة لأصواتها المخيفة هو أنها تقطع عليها لعبها وحياتها «الطبيعية» مع إخوتها.

وتكمل «عندما نسمع صوت الطائرة من بعيد نتمنى أن يكون مرورها دون قصف، صوتها قويّ ومرعب جدًّا كما أننا ننزل عندها إلى قبو البناء حتى ينتهي القصف»، أما صديقتها جودي (5 سنوات) فكان جوابها عند سؤالنا عن الطيارة «أنا بخاف من الطيارة.. لأني بخاف موت».

بالنسبة لهداية (4 سنوات) ورغم صغر سنّها فهي تدرك أن الغارات تعني أمرًا واحدًا، أنها لن ترى والدها الطبيب لساعات طويلة، تقول جدّة هداية «ما إن تغير الطائرة حتى تقول لي، وهي بالكاد تتلفظ بالكلمات، تيتة بابا صار عندو شغل.. بابا ما عاد يجي».

أما محمد (7 أعوام) فقد وصل لنتيجة مهمة بالنسبة لعمره نابعة من عدم إغارة الطيران عليهم إلا في الأيام المشمسة «أنا ما بحب الشمس.. ياريت ما تطلع الشمس، لأنو الطيارة بتجي معها».

عناصر الدفاع المدني «يتسابقون»

إن كانت الجدة أم زهير والأطفال يلجؤون إلى زاوية «آمنة» في البيت أو إلى قبو البناء، فالحال بالنسبة لعناصر الدفاع المدني خلاف ذلك تمامًا، فصوت الغارة بالنسبة لهم صافرة سباق أيهم يصل إلى سيارة الدفاع أسرع لينقذ الناس، وفق الأستاذ محمود، عنصر الدفاع المدني، ويقول «مهما كان عدد الغارات وحال القصف أو الطيارات، فقد اعتدنا وألفنا الموت ولم يعد من خوف في قلوبنا، الكل يجري نحو سيارات الإسعاف دون إبطاء».

لا ينفي هذا الخوف على الأهل وبشكل خاص بالنسبة للمتزوجين ومن لهم أبناء، «لكنهم جميعًا يلبون الواجب والأولوية عندهم إخلاء الجرحى للاطمئنان على الأهل وسلامتهم»، يضيف محمود.

ويشير أن عمله في الدفاع المدني يعني مواقف إنسانية لا تحصى يواجهها «فمثلًا تتجه لمكان الغارة وتكتشف أنك تنقذ أهلك، منذ مدة قصفت الطائرة منطقة واكتشف زميلنا في الدفاع المدني أن منزله تهدم وأن زوجته عالقةً تحت الأنقاض، لكننا لم نستطع إنقاذها واستشهدت رغم محاولاتنا جميعًا».

وعدسات الإعلاميين تلاحقها

فراس عبد الله، من إعلاميي مدينة دوما وهو طالب هندسة كهرباء سابقًا، يشبه في حاله عنصر الدفاع المدني، فما إن يسمع أصوات القصف والطيران حتى يحمل كاميرته ويتجه لمكان الغارة، يقول فراس: «أحمل كاميرتي وأنطلق لأوثق المواقع المستهدفة بالطيران والدمار الناتج عنه لإيصال ولو جزء من معاناتنا إلى العالم الصامت».

ويشير فراس إلى أن إصراره على نقل الصورة رغم صعوبة الأوضاع الأمنية لا ينفي إنسانيته بل هو ناتج عنها، ويؤكد ذلك بمثال «في غارات سابقة لم أستطع تحمل مشهد العالقين تحت الأنقاض فعلقت كاميرتي على كتفي ورحت أساعد في إزالة الركام عن العالقين، الجانب الإنساني هو ما دفعني للتصوير بدءًا من توثيق المظاهرات وحتى اللحظة، لكن في بعض الأحيان يكون المشهد هائلًا لدرجة الذهول وعدم القدرة على التصوير».

وعند سؤالنا لفراس عن قصة صورة علقت في ذهنه أثناء غارة ما، كانت إجابته بأنها قصة لصورة لم يلتقطها في المجزرة الأخيرة في الغوطة الشرقية «وقفت أبكي مشهد طفل مضرّج بالدماء يضمّ والده، وهو صاحب بسطة مبتور اليد، بعد أن كان تائهًا عنه في السوق مكان الغارة، كان الموقف جليلًا ومهيبًا وانتبهت إلى ذلك عقب انتهائه وإسعاف الطفل إلى النقطة، لأصوّر الأب بعدها لوحده».

برميل، صاروخ فراغي، نابالم حارق، قنابل عنقودية، وغيرها الكثير من أنواع الحمولات التي يرميها طيّار حربي على مدنيين عزّل أثناء الغارات، وتختلف معها قصصهم وغصصهم، فبأي شكل تُراه يرقب مشهدهم من الأعلى؟ هل يسمح له دويّ طائرته بسماع صراخ واستغاثات الأحياء منهم تحت الأنقاض؟.
لعلّ المسافة بين قلبه وأنّاتهم كالمسافة بين سمائه وأرضهم..إن كان ثمة قلب.

تابعنا على تويتر


Top