أنت لست ضحية، أنت اخترت ذلك بإرادتك

بيلسان عمر

يعتبر معظم الناس أنفسهم ضحايا الفساد الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، بل وربما ضحايا للعجز والفقر والكسل وغلبة الدَّين وقهر الرجال، دون أن يدرون أنهم ضحايا غرائزهم وأهوائهم وأنفسهم الأمّارة بما لا تستدعيه الإنسانية.

أنا المظلوم.. أنا الضحية

يمثل الشخص مرات دور الضحية ليرفع الظلم عن نفسه، فيحمي بذلك ذاته من كلام الناس، ومن الأذى الذي قد يلحقوه به، أو على حافة أخرى يدّعي الضحية أن المآسي التي عاشها لم يخبرها أحد قبله، فهو محور الكون –بنظر ذاته- وأمواج الحياة دائمًا تصارعه.
أو قد يكون الضحية ضعيف الشخصية، فيكون الأمر عاديًا، يراه جللًا، لأن شخصيته غير قادرة على تحمل هذا، ويرغب أن يتعاطف معه الآخرون، ويساعدونه ولو كان على خطأ.
وقد يلجأ الضحية إلى إلحاق الأذى والضرر بالآخرين، فيعطي صورة سيئة عن غيره، بل ويبالغ في سرد قصص ليس أقلها مجالس النميمة التي يفتتحها، ويختتمها بمجالس نصح ودعم نفسي لبيوت كان السبب الرئيسي في زعزعة تماسكها، مقابل تلميع صورته باستمرار، لتبقى بأبهى حلّة.

ضربني وبكى… وسبقني واشتكى

حتى الجلاد ذاته يرى نفسه ضحية، ليس ذلك فحسب، بل الضحية الأكبر الذي تحاك له المؤامرات الداخلية والخارجية، لتحطم صموده وممانعته، إذ يحاول الجلاد تحويل الرأي العام والأنظار عن جرائمه، فيبرّر تعسفه بسبب سلوك سيئ قام به الضحية، ليدّعي ومؤيديه أنه هو الضحية، وعلى الدول الأخرى مؤازرته ومد يد العون لهم، لإبعاد خطر الجلاد –الضحية الحقيقة- عنهم، كما يفعل نظام الأسد الذي يعتر نفسه ضحية المعارضة والمسلحين وداعش اليوم، فيختلق هو جلادًا جديدًا، فينسى الناس وحشية الأول أمام بطش تلميذه، ولكن تبقى مساواة الجلاد بالضحية هي المعادلة الأسوأ في تاريخ الإنسانية.
وها هو الضحية يقلّد جلاده بكل ما أوتي من قوة، ليعيد التاريخ نفسه، غير آبه بمن خرج من تحت دلف الجلاد الأول إلى مزراب جلاد جديد، محاولًا التلاعب بمشاعر الآخرين ولقيمات عيشهم، لاستدرار تأييدهم، وتحقيق مآرب أخرى له، ليصل الأمر حد وضع أحدنا يده بيد قاتل والده مقابل أن تنتهي الأزمة.

ضحايا والمصير واحد

لنتمعن الأزمة السورية التي لم تترك حجرًا ولا بشرًا، مؤيدًا ولا معارضًا، الكل أصابه ما يكفي من الألم والفقد والجراح، ليختار الغالبية الهجرة خارج الوطن، ولنجد أن أوروبا هي وجهة الكل بغض النظر عن طائفته ودينه وانتمائه السياسي، فالسنّي لم يذهب إلى حيث معاقل داعش –كما ينسبون أنفسهم للإسلام- والشيعي لم يذهب إلى إيران، وغيرهم كذلك، اختاروا أوروبا حيث التجرد من الانتماء لطوائف وفئات تدّعي حماية أتباعها ومريديها، أوروبا حيث البحر أرحم من نيران الأسد والأخدود الذي حول بلاده إليه، أوروبا حيث المجتمع المدني الذي كانوا ينشدون حكومتهم بمثله، حتى من هاجر إلى دول عربية أخرى فهو يعاني ضنك العيش، ويبحث عن وسيلة للخلاص، فمثلها مثل بلاده، التي تدّعي الممانعة والصمود.
وأخيرًا دعني أهمس بأذنك كلمات، احفظها إن شئت، أو ارمها عرض البحر وأنت في طريقك إلى بلاد محشر الناجين من قبضة الأسد الحديدية، أنت ضحية عندما تكون جاهلًا عواقب أمر ما، والأمر مبهم يصعب اكتشاف مكنوناته، أو أن يستغل أحدهم حاجتك وضعفك وقلة خبرتك، فيكون قرارك تحت الترغيب، أو التشويش والضغط النفسي، أما وأنت تعرف حيثيات الأمور وتفاصيل مآلها، فأنت لست ضحية، بل اخترت بإرادتك.

تابعنا على تويتر


Top