الموت القادم من السماء يشغل المحاصرين في داريا عن ذكرى مجزرتهم

_القادم_من_السماء_يشغل_المحاصرين_في_داريا_عن_ذكرى_مجزرتهم_.jpg

عنب بلدي – داريا

تمكنت قوات الأسد من شغل أهالي داريا المحاصرين عن ذكرى المجزرة الكبرى، التي راح ضحيتها أكثر من 700 شهيد في آب 2012، بل لم تدع لهم فرصة التفكير بها عبر إمطار المدينة بالبراميل المتفجرة والقصف الذي لم يهدأ منذ شهر، بعد خسائر النظام في معركة “لهيب داريا” وتقدم مقاتلي الجيش الحر في المنطقة الشمالية.
ويمضي أهالي المدينة اليوم أغلب وقتهم إما في حفر الخنادق والحفر التي تؤويهم، أو في البحث عن ملجأ آمن أثناء القصف، إذ تعيش داريا تحت وطأة قصفٍ وصف بالأعنف منذ بداية الحملة العسكرية على المدينة نهاية عام 2012، وأصبح من النادر مشاهدة المدنيين في الشوارع إلا بخطوات سريعة وآذانهم تصغي إلى السماء خوفًا من غارة جوية أو قذيفة قد تودي بحياتهم.
الحاج أبو عماد (50 عامًا) أحد سكان المدينة، يمضي أغلب وقته في حفرة حفرها بالقرب من منزله مع عائلته (زوجته وأربعة أطفال)، وما إن يخرج منها لتأمين طعام أو شراب لأطفاله حتى يعود مسرعًا ينادي “لقد أتت الملعونة”، بحسب تعبيره الذي يطلقه على طائرات النظام الحربية.
ويقول أبو عماد لعنب بلدي “فقدت اثنين من إخوتي والكثير من أقربائي في المجزرة واليوم في ذكراها لم أستطيع الذهاب إلى المقبرة أو حتى تذكرهم، مع أنهم لم يغيبوا عن ذاكرتي طوال ثلاثة أعوام”، موضحًا “بات كل تفكيري الآن محصورًا بكيفية حماية زوجتي وأولادي من تلك الملعونة، عاجزًا عن فعل أي شيء غير الدعاء”.
لم يعد أطفال أبي عماد يطلبون طعامًا أو شرابًا رغم قلّته “أقصى أمنياتهم أصبحت أن يناموا في المنزل الذي لا يبعد أكثر من مترين عنا، مطمئنين دون أن نخاف من الطائرة”.
أما أبو باسل، وهو أحد مزارعي المدينة، فيقوم بالاشتراك مع جيرانه بوضع متاريس للملجأ الذي ينزل إليه مع زوجته وجيرانه أثناء القصف، ويقول “إن يوم المجزرة كان أسودًا لا يمكن وصفه لأننا كنا مختبئين في منازلنا ننتظر الموت لا حول لنا ولا قوة، وهذه أيام لا تختلف قساوتها كثيرًا فنحن في كل يوم نرى الموت مع كل برميل يسقط علينا”.
لكن أبا باسل يعتبر “الموت ببرميل أو قذيفة أهون من الموت على يد شبيح قد يستبيح أعراضنا ويذلنا قبل أن يقتلنا، كما حدث في المجزرة قبل عامين”.
وفي إحصائية نشرها المجلس المحلي للمدينة، عبر صفحته في الفيسبوك السبت 29 آب، فقد وصلت حصيلة ما قصفته قوات الأسد منذ بداية آب الجاري إلى 340 برميلًا و122 صاروخ أرض-أرض من نوع فيل، بالإضافة إلى المئات من قذائف الهاون والأسطوانات شديدة التدمير راح ضحيتها 39 شهيدًا بينهم عائلة كاملة وقرابة 20 مقاتلًا في الجيش الحر.
ويعتبر أبو مالك، قائد إحدى مجموعات الجيش الحر في المدينة، أن “إنجازات قوات الأسد على الأرض اقتصرت على ارتكاب المجازر بحق المدنيين وتدمير منازلهم”، مردفًا “مجزرة داريا ستبقى محفورة في رؤوسنا نتذكرها كل يوم ليزداد حقدنا على هذا النظام ونشد بها عزيمتنا”.
نزوح أهالي المدينة وقلة عدد المدنيين المتبقين في المدينة (قرابة 10 آلاف)، ساهم في انخفاض عدد ضحايا القصف، بحسب أبي مالك، الذي أكد أن “كلّ يوم من هذه الأيام سيشهد أبشع المجازر لو أن سكان المدينة بقوا في بيوتهم، فالنظام لم يوفر نوعًا من أنواع الأسلحة المدمرة والمحرمة دوليًا في قصف المدينة”.
ويختم بقوله “القصف الهستيري الذي يقوم به النظام يأتي بعد ضرباتنا الموجعة وتقدمنا على الأرض، فهو كعادته يرد بالقصف والتدمير بعد عجزه عن تحقيق أي مكاسب”.
مشاهد الموت اليومية التي تلاحق السوريين أينما حلّوا ربما لن تمحى من أذهانهم لعقود، لكنهم اليوم يحاولون الهرب من أن يكونوا الضحية المقبلة، فمتى تتوقف آلة القتل؟

تابعنا على تويتر


Top