لو أني كنتُ أمًا سوريّة

Untitled-125.jpg

امرأة سورية في هنغاريا، 2 أيلول 2015/ AFP

مها السبلاني

يوم الأحد 16 آب 2015، قامت طائرات النظام السوري بقصف ضواحي مدينة دمشق مما أودى بحياة أكثر من 100 شخص معظمهم من المدنين الأطفال.

لو أني كنتُ أمًا سوريّة، لا يمكنني أن أتخيل شكل خوفي الدائم من فقدان طفلي بهذا الشكل المؤلم. حيث ستكون مهمتي الأولى هي الابتعاد؛ الابتعاد حتى عن سوريا كي أتمكن من حماية أطفالي وإبقائهم على قيد الحياة. ومع ذلك، أنا لست أمًا وأنا لا أعيش في سوريا، وبالتالي سيكون الحكم على الثورة في سوريا أمرًا سهلًا فهي مجرد حرب مجنونة كجنون من يبحث عن حبة رمل دفنت في الصحراء، صحراء كاملة من أنصاف الحقائق والأكاذيب.

لكنني أحمل قصة أريد أن أرويها وهي ليست قصة مهمة، فما المهم في قصة عائلة مكونة من زوجين و6 أطفال فرت من سوريا، للحصول على اللجوء والأمان في ألمانيا؟ لا شيء مهم. ثق بي، هي مجرد قصة عادية نسمعها كل يوم عن الآلاف إن لم يكن الملايين من الأسر الهاربة من تلك الحرب.

الفرق الوحيد يكمن في التفاصيل، فعبير (33 سنة) أم لستة أطفال تزوجت عندما كان عمرها 16، كانت تعيش في إحدى ضواحي دمشق مع زوجها الذي كان يملك معملًا صغيرًا لصنع الحلويات السورية المحلية.

كل شيء يبدو بأحسن حال، حياة هادئة وساكنة جعلت عبير محط حسد الآخريات، ومع بداية الثورة السورية 2011 كان لوحشية النظام السوري الحكم الفصل في إنهاء هدوء وسكينة عائلة عبير، حيث دمرّت قوات النظام ونهبت المدن والبلدات، ولم يمض وقت طويل حتى طال هذا الهدم منزلها وكانت عندها قد وضعت طفلها السادس.

لم يكن هناك خيار أمام عائلة عبير إلا المغادرة، ولكن إلى أين يذهبون؟ هنا تبدو بيروت الخيار الأفضل كونها قريبة من العاصمة دمشق ومع ذلك، فهي مدينة قاسية، حيث لا وظيفة ولا دخل ولا كرامة وبالتالي لا مستقبل.

بعد عامين ونصف قررت عائلة عبير الرحيل مرة أخرى، لملمت الأمتعة وبدأت بالبحث عن مكان جديد في بلد آخر، ولكن إلى أين عليهم الذهاب هذة المرة؟ وكم عليهم البقاء؟ فهل يبقون أيضًا لسنتين ونصف أخريين؟ أم ينبغي لهم أن يعتبروها فقط جسرًا مؤقتًا للعبور لمكان آخر في بلد آخر؟

تخاطر العائلة بحياتها مرة أخرى عن طريق السفر في قارب عبر البحار، هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر وربما الموت، تنجو العائلة للمرة الثانية من الموت لتصل إلى اليونان. ومنها تبدأ رحلة المشي سيرًا على الأقدام لمدة أربعين يومًا، أسرة مكونة من ثمانية أفراد مشت من اليونان إلى كولون في ألمانيا.

مشت عبير وزوجها مع أطفالها من دون دموع أو ندم، وفي كل يوم وفي كل خطوة كانا يحملان في قلوبهم عاطفة واحدة غير قابلة للكسر، الأمل. حملت عبير معها ستة آمال، نعم ستة، هي آمالٌ في بداية جديدة.

الأمل الأول قد يكون طبيبًا، والثاني قد يكون مهندسًا، والثالث قد يكون كاتبًا، والرابع قد يكون نجم كرة قدم، والخامس قد يكون فنانًا، وربما يكون السادس رئيس سوريا القادم.

هذه ليست الصورة الكاملة لما واجهته عبير وعائلتها خلال فترة وجودهم في لبنان أو في تلك الرحلة عبر البحر والحدود الأوروبية؛ هناك العديد من الأحداث المأساوية التي وقعت، ولكني اخترت هذا الجزء البسيط من القصة كي ننظر إليها على أنها مجرد قصة عادية لعائلة لاجئة عادية في ظروف عادية، والفرق الوحيد يكمن في التفاصيل، الأمل.

نشرت هذه المادة في موقع هافنغتون بوست باللغة الإنكليزية. لقراءتها من المصدر: اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top