غياب للقوانين واعتماد على أهواء المقاتلين

العلاقات التجارية في مناطق سيطرة “الدولة الإسلامية”

_بين_التجار_وعناصر_التنظيم.jpg

لا توجد قوانين واضحة تبيّن المباح والمحظور فيما يخص الشؤون التجارية في مناطق سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية»، بل تعتمد على تشريعات غير مفصلة في المجمل، ولا تستوعب التطور التجاري في واقعنا الحالي؛ وعليه، تغيب الإحصاءات عن حجم التبادل التجاري ومقدار واردات التنظيم وأرباحه من هذه العلاقات.

سيرين عبد النور – دير الزور

ويرجع الباحث الاجتماعي طه العبيد ذلك إلى اختلاط الأجهزة في «الدولة الإسلامية» بشكل خاص، والدول التي تقوم على أساس ديني بشكل عام، حيث يدخل المح م الديني غير المحدد بما يكفي، وغير المقونن في الغالب إلى جميع وجوه الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ولم يخصص التنظيم جهازًا خاصًا، على غرار أجهزته الأمنية، لتسيير التجارة والإشراف عليها وسن القوانين التي تكفل العمل التجاري وتحمي المستهلك وتحقق مصالح التجار، ما أشاع الفوضى وعدم الاستقرار وأدى إلى هروب معظم رؤوس الأموال.

لكن ذلك لم يمنع قيام طبقة تجارية خاضعة للتنظيم ومسايرة له، بحسب العبيد، الذي يضيف «إن كل دولة تبني تجارتها وعلاقتها الداخلية مع السوق وفسادها الخاص بحسب الطبيعة التنظيمية لها، والدولة الإسلامية قوة عسكرية وتنظيم حربي أكثر منه مديرًا أو منظمًا للمناطق التي يسيطر عليها»، مردفًا «لكنه مع كل ذلك أوجد عددًا من التجار الذين يسيرون شؤون أسواقه التجارية ويحاولون العمل ضمن شروطه وقوانينه وربما التماهي مع طبيعة المقاتلين والاستفادة منها بما ينمي أموالهم ويحقق أهداف تجارتهم».

علاقة مفتوحة

وتضع «الدولة» قوانينها التجارية بشكل شبه فردي بالاعتماد على العناصر الموجودين، ومدى معرفتهم وثقافتهم وفي أحيان كثيرة أهوائهم، وإن كانت هناك العديد من المحاولات لوضع قوانين اقتصادية مشتركة أو متقاربة بين «الولايات»، كما يطلق عليها التنظيم، لكنها لم تنجح حتى اليوم، فنجد أن القوانين الاقتصادية والتجارية تختلف شدة ولينًا بين مدينة وأخرى، كما تختلف قوائم الحظر والسماح بحسب القائمين على المدينة والعناصر المتنفذة فيها.

ويصف عددٌ من الأهالي في مدينة دير الزور العلاقة بين عناصر التنظيم والتجار بالمنفعة المتبادلة، إذ تُترك للتجار حرية العمل بقدر قربهم من العناصر ومنفعتهم لهم، فيراعي التجار عناصر التنظيم بالأسعار والمحاباة إلى درجة تقديم الهدايا، والتي يصفها ياسر، وهو صاحب مقهى إنترنت سابق في المدينة، بـ «الرشى»، ويضيف الشاب العشريني بغضب «لو جلسوا في بيوت أمهاتهم أيهدى إليهم؟».

سؤال تسهل الإجابة عليه، بحسب ياسر، وذلك بمقارنة بسيطة مع ماضي أغلب العناصر وحالتهم الاجتماعية والاقتصادية قبل انضمامهم له.

كما أن التنظيم يؤمّن لمن يتعامل معه من التجار السلطة والنفوذ، فيما يؤمن التجار العلاقات مع الأهالي والأخبار المحلية.

رخص وصلاحيات لمحلات المقربين من العناصر

محمد (اسم وهمي)، وهو صاحب أحد المحلات الصغيرة في حي العمال، يصف لعنب بلدي ما يعتبره معايير مزدوجة عند عناصر التنظيم «كل يوم يأتي العناصر إلى دكانتي الصغيرة ويقومون بتفتيشها بحثًا عن المواد المخالفة كالدخان والماجي (مكعبات مرقة دجاج تم تحريمها)، لكنهم يتجنبون المرور إلى دكان جاري الذي يبيع جميع أنواع المخالفات، وذلك بسب أخيه، وهو أمني كبير في التنظيم».

شكوى الشاب ليست وحدها، إذ يعبر أغلب أصحاب المحلات عن تذمرهم من غض عناصر التنظيم الطرف عن بعضهم وعمن يلوذ بحماهم، على حد تعبير محمد، ويضيف «يعلم الجميع هنا أن تجارة الدخان الممنوعة في مدينة دير الزور يشرف عليها عدد من عناصر التنظيم مع أقربائهم».

كما أن المطاعم التي يتعاقد معها التنظيم لتوريد الطعام لعناصره تعود ملكيتها لأشخاص مقربين منه، كحال محلات الحدادة والميكانيك التي يتعامل معها، ما يدر مئات الآلاف شهريًا على هذه المحلات.

يقول محمد «يخص التنظيم بعض الأشخاص المقربين منه بالرخص التي تسمح لهم بإدخال المواد الغذائية وغيرها إلى المدينة دون أن تتعرض لتفتيش أو تدقيق، كما أن رخص توزيع وبيع المياه على أحياء المدينة و بيع أمبيرات الكهرباء باتت حكرًا على أشخاص محددين».

ولا تتوقف الوساطة والمحسوبية عند حدود المعاملة والأعطيات ومنح الأوراق الأمنية، بل تشمل إجبار الأهالي على الشراء من محلات تبيع بضائع محددة ومن ذلك الزي الإسلامي، الذي يجبر نساء المدينة على شرائه من محل بعينه يتمتع صاحبه بعلاقة قرابة مع أحد أمراء الحسبة في المدينة.

شوارع مدينة دير الزور التي أصبحت فيها العديد من المحلات المعروفة بتبعيتها المباشرة أو غير المباشرة للتنظيم، يشكل أصحابها واسطة بين الأهالي و»الدولة» إضافة الى السمسرة للتنظيم والتشبيح على الأهالي والعمل كمخبرين له، وبحسب الباحث العبيد «كل دولة تصنع طبقتها التجارية التي تقيم معها علاقة ثابتة تحتاجها السلطة في تلك الدولة بشقيها السياسي والعسكري».

تجارة منهارة

يسير طارق، وهو ناشط حقوقي، في السوق المقبي الذي كان أحد أهم وأقدم أسواق المدينة، مقلبًا بصره بين المحلات المدمرة، ويقول «لم يبق شيء من الحركة التجارية في هذه المدينة، بعد أربع سنوات من الحرب المستمرة انتقلت جميع الأنشطة إلى خارجها».

تغيرات كثيرة حدثت في المشهد التجاري يلخصها أحمد، أحد سكان حي الشيخ ياسين وصاحب محل ألبسة سابقًا، بـ «تقلص أسواق المدينة التي باتت مختصرة بشارع التكايا واقتصرت على بعض المحلات والمطاعم التي تعد على أصابع اليد الواحدة، لقد انهارت الحركة التجارية وعدنا قرونًا إلى الوراء».

تنقل الحركة التجارية بين مدن دير الزور ونشاطها في بعض المدن على حساب مركز المحافظة جاء معتمدًا على عدة عوامل، ويجملها أبو عدي، وهو خريج كلية التجارة والاقتصاد وصاحب مطعم في مدينة الميادين، بـ «منسوب الأمان في تلك المناطق إلى جانب انتقال الثروة والسيولة إليها، إضافة إلى وجود مصادر جديدة للدخل مثل تجارة السلاح والنفط والآثار»، معتبرًا أن «هذه الأصناف المستجدة من التجارة لها مناطقها وأسواقها وأربابها».

 

تابعنا على تويتر


Top