ما بين إيلان وحمزة الخطيب .. وطن ينزف دمًا وأبناء

فراس محمد

هدأت الحملة الإعلامية الكبيرة التي رافقت انتشار صورة غرق الطفل إيلان عبد الله الشنّو على شواطئ بودروم التركية، أثناء رحلته وأهله للبحث عن ملجأ في إحدى الدول الأوروبية، وهربًا من أتون الحرب المدمرة التي فرضها نظام الأسدعلى شعبه المنادي بالحرية والكرامة.

الحملة التي اجتاحت العالم من أقصاه الى أقصاه، شارك فيها إلى جانب الإعلام عدد كبير من مشاهير الرياضة والفن والأدب من كل أرجاء العالم، تحدثوا وأسهبوا عن مأساة السوريين وعذاباتهم في رحلتهم الطويلة للوصول لحلم اللجوء الأوروبي، ووقف الرياضيون دقائق صمت حزنًا عليهم، ورسم الفنانون ونحت النحاتون أعمق اللوحات الفنية، لينبري على إثرها سياسيو العالم للحديث عن ضرورة إيجاد حل حقيقي للتخفيف من معاناتهم، من خلال استقبال أعداد أكبر من هؤلاء اللاجئين.

بهذا الشكل خرج العالم سعيدًا بحالته الإنسانية الرقيقة!، وملقيًا عن عاتقه أثقال تأنيب الضمير التي أعقبت رؤية منظر الطفل الملقى على شواطئ البحر، يحلم بأوروبا وبسماء خالية من القذائف والطائرات الحربية.

لسان حال أغلب من شارك بهذه الحملة: «ها قد أوصلنا مأساة هؤلاء لكل أرجاء المعمورة، وسننام اليوم وقلوبنا مطمئنة، وضمائرنا مرتاحة، وقبل أن نخلد للنوم سنقبل شفاه صغارنا وندعو لهم بأحلام سعيدة وهم يخلدون إلى النوم، وإلى هذا الحد وكفى، لنعد إلى حياتنا الطبيعية».

بهذا الشكل المفرط بالإنسانية أسدل الستار مجددًا على فصل آخر من فصول المأساة السورية، وتم توصيف العلاج بضرورة فتح الدول الأوربية أبوابها أمام السوريين طالبي اللجوء، لتصدمنا مجددًا كسوريين مدى الإنسانية الكبيرة في قلوب هؤلاء، فهل يعقل أن يكون حل مأساتنا بسيط لهذا الحد، وأن يكون من خلال تسهيلات من دول اللجوء كي يتسنى للسوري الهارب من الموت متعدد الأشكال والأصناف، الذي يلاحقه منذ أربع سنوات، أن يصل هو وأولاده بسلام دون أن يخدش مجددًا بغرقه هذه القلوب الرقيقة.

لكن على الضفة الشرقية للبحر المتوسط كان السوريون وحدهم يدركون كم كانت أحلام إيلان مختلفة عما بدا لهم من خلال عدسات كاميراتهم قصيرة الأفق، والتي لم تر سوى طفل يحلم بالجنة الموعودة في أوروبا، فإيلان هناك مازال ينزف وحيدًا كل يوم، تحت ركام المنازل المدمرة والسماء التي تمطر براميل متفجرة وقذائف عشوائية، يبحث وحيدًا عن بقية أعضاء جسده الصغير التي تناثرت حوله، وهو يئن من ثقل أحد البراميل التي سقط على ظهره في حلب.

وإيلان هناك مازال ملقًى على ظهره بجوار رفاقه، يحاولون دون جدوى استنشاق ما بقي من أوكسجين الغوطة المشبع بغاز السارين.

وإيلان هناك مازال يسمع أنين حمزة الخطيب تحت التعذيب في أقبية المعتقلات، في درعا.

وإيلان هناك مازال يركض حافيًا في كل مخيمات اللجوء يبحث عن كسرة خبز وقطرة ماء.

تابعنا على تويتر


Top