كيف تستثمر أموالك وقت الحرب؟

-الأموال.jpg

عنب بلدي

خلال الحروب والصراعات الأهلية، حين يعلو ضجيج المدافع وتخفت أصوات المصانع، ويشيع السلاح ويحل الدمار ويقل المال ويندر الطعام، ثم يصبح سؤال الانتصار أهم من سؤال الاقتصاد، ويتراجع السعي نحو الرفاهية والرخاء خلف أولويات النجاة بالحياة، يقبع هناك خلف غبار المعركة بقايا من يصارع من أجل استبقاء الحياة والتشبث بالوطن والبحث عن فرصة أخيرة لمواصلة العيش.

في الحروب تصبح الإجابة، في الأغلب، واضحة وصريحة لسؤال المال والنفس، ألا وهي الهرب، حيث الاستثمار الأمثل للمال وقت الحرب هو أن تهرب أنت وأموالك خارج البلاد، تبيع ما يمكنك أن تبيعه وتتخلص من العملة المحلية وتسحب أموالك ما استطعت من البنوك وتأخذ ما تبقى في يد وبيدك الأخرى أهلك وتخرج بلا رجعة محتملة.

مثل هذة الإجابة هي من الصواب اقتصاديًا بمكان، ولكن السؤال: هل توجد هناك فرصة أو إمكانية لهؤلاء الذين قرروا البقاء في استثمار أموالهم بالداخل وقت الحرب؟

تخلص من السيولة النقدية

أسوأ ما يمكن أن تمتلكه في وقت الأزمة بعد الاستثمارات الخطرة هي النقود (cash) والأسوأ منها النقود بالبنوك. سحب الأموال هو بالتأكيد سلوك أناني وضار من وجهة نظر الدولة، وسيتضاعف أثره السلبي بتزايد الممارسين له.

أول رد فعل اقتصادي يحدث قبيل حدوث أزمة في بلد ما هو انسحاب رأس المال، لا نتحدث عن الآلاف التي تمتلكها في حسابك ولكن نتكلم عن المليارات التي يمتلكها المستثمرون الذين يتحركون أولًا ويتحركون بسرعة لإنقاذ أموالهم من البلاد بسحبها من أرصدتهم أو تحويلها إلى عملة أجنبية، مما يتولد عنه بدايات انهيار قيمة العملة الذي يحدث في حلقة متتابعة (chain effect) توقفها الدولة في لحظة ما بمنع أو وضع قيود على سحب وتحويل الأموال وكذلك شراء العملات الأجنبية.

فإذا كان حظك جيدًا، ستتخلص من العملة المحلية قدر إمكانك، وإن لم تدرك ذلك فالدرس والقاعدة الأولى في خطتك للاستثمار وقت الحرب، أن لا تستبقي سيولة مالية في جيبك.

معدلات التضخم في سوريا بعد الثورة والحرب وصلت إلى مستويات خيالية، أعلاها كان في أيلول 2013 بقيمة 121.87%، ومنذ بداية العام الحالي يواصل التضخم ارتفاعه مرة أخرى مسجلًا في أيار الماضي 39.7% مع توقعات بوصوله في أيلول الحالي قيمة 51%.

بدورها عانت الليرة السورية بشدة في نفس الفترة، حيث عادل الدولار في تشرين الأول 2010 قيمة 44.57 ليرة، وظل الارتفاع في سعره متتابعًا بضراوة حتى اليوم، ليصل في أيلول الحالي إلى 318 ليرة سورية في السوق الرسمي.

الحل التقليدي: شراء الذهب

على بساطته، فإنه فعلًا أحد أصوب الحلول في أوقات الأزمات الاقتصادية والحروب، لكن لماذا يعتبر الذهب حلًا مثاليًا؟ وهل له بدائل؟

الذهب، وعلى شاكلته جميع المعادن النفيسة التي يمكن شراؤها مثل الفضة والألماس والمجوهرات بشكل عام، يعتبر أداة اقتصادية مضادة للأزمات والتقلبات الاقتصادية، وتمثل قيمته العالمية حاجز أمان مادي لمن يمتلكه وقت الحرب، بل في كثير من الأحيان يعتبر أفضل استثمار لما بعد انقضاء الأزمة.

بطبيعة الحال يذهب غالبية الناس لهذا الحل التقليدي في بدايات الأزمات، ما يتسبب في ندرته للمتأخرين، لكن هناك بدائل غير تقليدية للذهب، كالتحف والقطع الفنية، ويمكن أن تضم إليها كذلك قطع الأثاث الغالية، أو الأدوات الكهربائية الحديثة، أو الملابس الثمينة، أو حتى قطع حديد التسليح، إذا ما توافرت فرصة للتخزين الجيد للاحتفاظ بجودة تلك المقتنيات.

وتعتبر المشكلة الرئيسية في حلول الذهب (وبدائلة الأخرى) هي إمكانية تأمينها وإخفائها أو نقلها، فاعتبارات الأمان في بلد تشتعل بالحرب تصل لأقل درجاتها، وترتفع فرص السرقة والنهب والإتلاف للممتلكات.

تملك الأصول

هي إحدى أوجه الاستثمار التي يجب أن تمارسها بحذر. تتميز الأصول باحتفاظها بقيمتها الأصلية مع الوقت، لذا تعتبر في الأصل استثمارًا آمنًا لا يتأثر بتدهور الحالة الاقتصادية بالبلاد.

من أفضل الاختيارات في هذة الحالة بالتأكيد هو شراء الأراضي الفضاء المرخصة للبناء، ثم الأراضي الزراعية، وأخيرًا الأبنية.

وتأتي مخاطر مثل هذا الاستثمار أولًا على الأبنية، التي تكون عرضة للهدم تحت ضرب النيران والقصف، ثانيًا احتمالية سرقة المزروعات أو تعرض الأرض للتخريب والإحراق كذلك إذا وقعت داخل دائرة الاشتباكات، وآخر المخاطر يكون في فرصة ضياع حقوق الملكية تمامًا واستحواذ الدولة أو تأميمها للملكيات الخاصة.

لذا يجب أن يكون اتجاهك لمثل هذا الاستثمار طويل الأمد، مبنيًا على اختيار مناسب يستغل التدني المهول في أسعار الأراضي ويتجنب مخاطر تلف وضياع الملكية.

يمكن أن تضم كذلك إلى تصنيف الأصول بعض البدائل غير التقليدية، مثل شراء الماشية، السيارات، الترخيصات التجارية، وحقوق الملكية.

تجارة المواد الأولية

أما اذا وجدت نفسك مضطرًا لإحدى الحلول التجارية التي يمكنها أن توفر لعائلتك الدخل الشهري الأساسي، فالزم تجارة المواد الأساسية والأولية.

بطبيعة الحال، فإن أول ردة فعل لحالة الحرب هي تنازل الأفراد عن احتياجاتهم الثانوية، وتوقف أنشطة الخدمات وانهيار تجارة الكماليات والرفاهيات تحت ضغط نقص السيولة النقدية وانخفاض معدلات الاستهلاك؛ فتنحصر التجارة الأكثر أمنًا في المواد الغذائية، الوقود، والمستلزمات اليومية.

ونستخدم هنا القاعدة الأصلية (عدم الاحتفاظ بسيولة نقدية) كاستراتيجية رئيسية في ممارس البيع والشراء، فلا تبع بالآجل وحاول تقليص مدد التخزين.

ستظل مخاطر التضخم المالي وانهيار العملة تلاحقك طوال الوقت طالما احتفظت بأموال التجارة بين يديك، يجب أن تكون دورات الشراء والبيع قصيرة قدر الإمكان حيث استهلاك الناس أقل من المعتاد وارتفاع أسعار السلع يسبقك دائمًا بخطوة؛ افتح ثلاثة متاجر صغيرة أفضل من واحد كبير، واشترِ في اليوم الذي تبيع فيه ولا تنتظر الغد.

هل البورصة حل مطروح؟

من حيث المبدأ، نعم، هناك مجال في الاستثمار الآمن في أسهم وسندات البورصة؛ اللجوء لأسهم الشركات الخاصة المحلية يعتبر بالتأكيد بمثابة انتحار وإهلاك لمالك، ولكن اختيار أسهم لبنوك حكومية مساهمة أو شركات موردة لمواد أولية يمكن أن يكون استثمارًا أفضل.

ويعتبر شراء السندات الحكومية هو الاختيار الأكثر أمانًا على الإطلاق في البورصة ولكن هو كذلك الأقل ربحًا، إذ إن الحكومات تعتبر الجهة الأكثر ثقة في السوق المالي، والتي يضمن المستثمر استرداد قيمة السند لديها حتى مع تدهور الاقتصاد؛ بالتأكيد هذا مبدأ عام، إذا كنا نتحدث عن بورصة نشطة بالأصل ودولة لديها رصيد من الثقة.

استثمر في البشر!

هذا هو المنفذ الأخير، الذي لا يصح تجاهله كحل اقتصادي متاح.

أن تستثمر في تعليم أبنائك بشراء وسيلة أو درس تعليمي للغة أو مهارة أو حرفة جديدة لهم، أو تأمين فرصة سفر للخارج، أو الإنفاق الصحي عليهم، أو حتى إقراض الأفراد من أهل الثقة الذين تضمن أن يردوا إليك القرض بقيمته الأصلية وقت احتياجك له.

تابعنا على تويتر


Top