معًا.. لنسعف العقول الصغيرة

272.jpg

حنين النقري – دوما

نتيجة للظروف التي فرضها النظام الأسدي على بعض المناطق، توقف العديد من الطلاب عن ارتياد المدارس خلال السنتين الأخيرتين، ورغم أنه لا توجد إحصائيات دقيقة حول أعدادهم إلا أن نسبتهم كبيرة حقًا. وبغض النظر عن النجاح «الصوري» للطلاب وانتقالهم من مرتبة لمرتبة أعلى (عن طلاب المدارس أتحدث) إلا أنهم فعليًّا لم ينالوا الاهتمام والعلم الذي يستحقون، ولم يكتسبوا المعارف أو المهارات التي يفترض أن يكتسبوها..

بغضّ النظر عن رأيي الشخصي بمناهج التعليم في مدارسنا وطرق التدريس المتبعة، فإنّ  توقّف الطلاب عن ارتياد المدارس بسبب الأوضاع الأمنية المتردية، والنزوح والترحال الدائمين كان له أثر سلبيّ جدًا على مهاراتهم التعليمية في ظل الإهمال المنزلي لرفدهم بما يلزمهم، بشكل خاص المراحل التعليمية الأساسية الأولى…

مؤخّرا، أتيح لي تدريس بعض الأطفال من الفئة التي أتحدث عنها، وكان أن تفاجأت بنسيان البعض لأحرف اللغة العربية، والبعض الآخر للأرقام والعمليات الرياضية الأساسية كالجمع والطرح!! آخرون مُسح من ذواكرهم كل ما يتعلق باللغة الإنكليزية.. وهذا طبيعي جدًا، فاللغات والعلوم كالعضلات، تضمر ما لم تستخدم…

تعاملنا مع الظروف بداية على أنها لن تطول، وأن التلاميذ سيعودون إلى مدارسهم، ويعوّضون -صيفًا  مثلًا- ما فاتهم، لكن الشهور تتالى، والسنوات تمرّ، ولا ندري حقيقة متى سيعاودون الدوام في مدارسهم مجددًا -حتى بعد سقوط النظام- لأن الكثير من المدارس قصفت بشكل كاملٍ أو تعرضت للكثير من الأضرار بشكل يوجب علينا التفكير في حلول عمليّة ومنطقية لإغناء عقول من نرغب بأن يعيشوا بمجتمع أفضل، ليكونوا أهلًا للحرية التي نطلبها لهم…

التعليم المنزلي لم يعد ترفًا نتحدث عن فوائده أمام نظام التعليم المتردي، بل غدا ضرورة ملحّة لتعويض عقول الطلاب، بغض النظر عن المناهج التي يتوجّب علينا اعتمادها في تدريسنا لهم. المهمّ ألا تتوقف الأدمغة عن التفكير، أن يقرأوا ويكتبوا ويكتسبوا مهارات ومعارف باستمرار، أن تعتاد ألسنتهم اللغة، وتستمر أقلامهم بخطّ حروفها، وعقولهم بإجراء عمليات حسابية تمرّن خلايا أدمغتهم…

سيكون من الرائع لو اعتمدنا منهاجًا متكاملًا، لكن في حال لم تتوافر الأدوات بين أيدينا، فلا مانع من ارتجال منهاج من معارفنا نحن. المهم ألا يتوقف هذا العقل الصغير عن العمل، ألا نجعله يتصلّب تحت تأثير توقفه عن التمرّن والاكتساب وما يشهده من أحداث تجعل العلم أمرًا ثانويًا.. وما كان كذلك يومًا…

حلّ آخر يحتاج لتنظيم أكبر، هو في تشكيل لجان تدريسية منا نحن، معشر الطلبة الجامعيين، «لمحو الأمية» التي بدأت تنتشر كإحدى نتائج الحرب الطويلة التي نعيشها، اعتماد مناهج مناسبة -قد تكون ذات المناهج المدرسية- وإعطاء دروس في مختلف الأماكن، المساجد، الأقبية، تجمعات النازحين داخل سوريا -ﻷن النازحين في الخارج ثمّة من يهتمّ بأمرهم من هذه الناحية- كل باختصاصه وبما يبرع بإعطائه… ثمّة أدوار لنا جميعًا، أنا موقنة.

الموضوع بحاجة لهمّة وتنظيم وإخلاص، ربما لا يكون ذلك كافيًا، ولكنّه حل «إنعاشي» لعقول لم تنل حقها الطبيعي من الاهتمام والاكتساب. سيكون لذلك أثر رائع أيضًا على الصعيد النفسي للأطفال، ساحبًا اهتمامهم من متابعة أخبار حرب أكبر منهم حقيقة، أُقحموا فيها خارج إرادتهم، ليغدو اهتمامهم ببناء وعي هو وحده من يحدد على أي مستقبل سيستيقظون، وأي مجتمع سيبنون…

معًا لنسعف العقول الصغيرة..

تابعنا على تويتر


Top