النفط السوري تحت سطوة العسكر – الجزء 1

23234234.jpg

فريق التحقيقات في عنب بلدي

قبل عام 2011 كانت سوريا على موعد مع تحقيق أكبر اكتشاف نفطي في تاريخها على سواحل البحر المتوسط وضمن المياه الإقليمية، وكانت تقديرات الشركات التي أجرت المسح المبدئي من أجل الاستكشاف والمباشرة بأعمال الحفر والتنقيب تقدر بحوالي 2.5 مليار برميل بمعدل 377 ألف برميل يوميًا، ما يمثل 0.2% من إجمالي الاحتياطيات العالمية، أي ما يعادل احتياطيات المملكة المتحدة، وفق تحليل نشره موقع الاقتصادي المتخصص بتاريخ 29 أيار 2014.

أما احتياطيات سوريا من الغاز فكانت تقدر بحوالي 0.3 مليار متر مكعب نهاية 2010، والذي يمثل 0.1% من إجمالي الاحتياطي العالمي.

كان الدافع وراء البحث عن مكامن نفط جديدة هو التنبؤات بنضوب آبار النفط الموجودة آنذاك بحلول العام 2025، ما لم تحصل استكشافات جديدة في القطاع الذي يعمل فيه حوالي 16 ألف عامل، وفق تقديرات وزارة النفط في حكومة النظام.

 

نحاول في هذا التحقيق الإجابة عن تساؤلات مرتبطة بأهم ثروة طبيعية يملكها الشعب السوري (النفط والغاز)، تتركز حول مصير هذه الثروة في ظل استمرار الأعمال العسكرية، وماذا سيكون مصيرها فيما لو سقط النظام أو انتهى وجود التنظيم، كونه يسيطر على 80% من النفط السوري، وهل لدى الحكومة السورية المؤقتة الخطط اللازمة لإنعاش هذه الحقول واستئناف العمل بها من حيث الإنتاج وبدء التصدير؟

عسكريًا، هل تملك قوات الجيش الحر وبقية الفصائل العسكرية الداعمة للثورة منهجية واضحة لحماية هذه المكامن؟

ويسلط التحقيق الضوء على رؤية المواطن السوري لقطاع النفط والغاز خلال عهد النظام وخلال ما مر من عمر الثورة مع صعوبات تأمين المحروقات بسبب غلاء الأسعار، وكيف يقيّم أداء الفصائل العسكرية التي تسيطر على أهم الحقول والإمدادات؟

نستعرض أيضًا تجربة دول شهدت تحولًا يشابه ما يحصل في سوريا، وكيف كان للعسكريين دور كبير في التحكم بموارد الطبيعة وثرواتها، في محاولة للاستفادة من هذه التجربة.

إلى جانب آراء عدد من الخبراء والمختصين الذي شرحوا الحالة وعاينوها بموجب ما قدمناه لهم من معطيات وخرجوا بجملة توصيات.

 

يبلغ إنتاج سوريا من النفط وفق تقرير شركة «BP» البريطانية 385 ألف برميل يوميًا، ويقدر الإنتاج السوري من الغاز 28 مليون متر مكعب يوميًا.

وكان الإنتاج يشكل نحو 24% من الناتج الإجمالي لسوريا، البالغ 60 مليار دولار في العام 2010 و25% من عائدات الموازنة و40% من عائدات التصدير.
لكن إنتاج النفط بدأ يتراجع منذ العام 2006، فانخفض من نحو 400 ألف برميل يوميًا ليستقر عند 380 ألف بحلول العام 2011، على عكس الغاز الذي بدأ يشهد ارتفاعات في معدلات الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد، وخاصة بعد افتتاح معمل غاز المنطقة الوسطى، في حمص.

بداية الثورة، في آذار 2011، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على النظام حظرت عليه استيراد النفط الخام، وبالتالي توقفت واردات حكومته من القطع الأجنبي، بعد أن كانت ألمانيا وإيطاليا أكبر سوقين لتوريد الخام السوري في العالم، بمعدل استهلاك 23% و31% على التوالي.

سيطرة القوى العسكرية في سوريا وتوزع آبار النفط والغاز

أهداف القوى المتصارعة

مع مواجهة الثورة بالعنف من قبل النظام وانتقالها إلى العمل المسلح وتراجع مستويات الأمان في مختلف أنحاء سوريا، وخاصة في المناطق الشرقية (دير الزور، الحسكة) باتجاه الحدود مع العراق، تراجع إنتاج النفط إلى مستويات غير مسبوقة، إضافة إلى انسحاب الشركات العالمية العاملة وسيطرة قوات المعارضة على حقول النفط والآبار ثم الاستيلاء عليها من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية».

هنا، تراجع إنتاج سوريا من 380 ألف برميل يوميًا عام 2010 إلى 9 آلاف برميل في العام 2015، وفق تقديرات وزارة النفط التابعة للنظام.

كانت حقول النفط والغاز ومجمل الثروات الباطنية في سوريا خلال الأعوام الخمسة الماضية من عمر الثورة محط أنظار القوات المتصارعة على الأرض، وهدفًا للكثير من المعارك من أجل السيطرة عليها؛ فالموارد من أهم أساسيات البقاء والتحكم والسيطرة لمختلف الفصائل وللنظام في آن معًا.

لذلك كانت هذه الفصائل باختلاف انتماءاتها وولاءاتها تستميت في السيطرة على النفط والغاز لهدفين رئيسيين، الأول: الحصول على الموارد المالية لتأمين نفقات القتال، والثاني: خلق فرص عمل للسكان المحليين عبر العمل بالتكرير والتسويق والتوزيع.

وخلق ذلك سوقًا جديدة للنفط في حراقات ومصاف بدائية على امتداد شرق وشمال سوريا، ما أدى إلى أضرار خطيرة على المواطنين والبيئة معًا، ولعل هذا ما دفع وزير الطاقة والثروة المعدنية السابق في الحكومة المؤقتة إلياس وردة في 24 آذار 2014 لتوجيه دعوة للمواطنين للتوقف عن استخراج النفط ومشتقاته بهذه الطرق، «نظرًا للتلوث المريع جدًا بصحة المواطنين في تلك المناطق، وآثاره على الزراعة والمياه».

دعوة الوزير ترافقت مع تمني الوزارة بإتاحة الفرصة لها للإشراف على هذه الحقول، وبالتالي رفع الإنتاج إلى 400 ألف برميل يوميًا، وتوفير دخل للأسر المقيمة في تلك المناطق والإشراف على حماية الآبار من قبل الأهالي لكن باسم السلطة الوطنية السورية؛ إلا أن سيطرة تنظيم «الدولة» على هذه الحقول بددت أماني الوزير والوزارة.

أمام هذا الواقع السوداوي لقطاع النفط والغاز والفوسفات، كان لا بد من إيجاد هيكلية تنظيمية تشرف على إدارة الحقول والآبار وتضمن وصول مشتقات النفط إلى المواطنين حيثما كانوا، بأسعار تتوازى مع مستويات الدخل المعدومة في ظل انتشار الفقر والبطالة وبلوغهما معدلات قياسية العام 2015.

لكن وبغض النظر عن الصراعات التي كانت تنشب بين الفصائل العسكرية إثر الخلافات على إدارة حقل أو بئر، سواء من أجل السيطرة أو اقتسام العائدات، بقي النفط السوري يصل إلى كل المحافظات سواء من مناطق تنظيم «الدولة» إلى فصائل المعارضة، أو إلى مناطق النظام وفق عقود منفعة متبادلة مهدت لاستقرار السوق خلال السنتين الماضيتين على الأقل.

هذه الإدارات الوليدة كانت بدائل عن الأجسام الإدارية التي أوجدها النظام السوري قبل العام 2011 سواء عبر شركاته الوطنية (الفرات للنفط، المؤسسة العامة السورية للنفط، شركة دير الزور للنفط، المؤسسة العامة لتوليد الغاز)، أو عبر الشركات الأجنبية العاملة في سوريا، والتي انسحبت أو جمّدت أعمالها عشية الثورة مثل شل وتوتال وسينوبيك وبتروكندا.

أجسام إدارية وهيكلية جديدة ولدت خلال الثورة وتتبع لفصائل المعارضة، أخذت شكل هيئات شرعية أو مجالس عسكرية مهمتها حماية هذه الثروات، لكن المثال الأوضح على نجاح هذه الإدارات تلك التي أوجدها تنظيم «الدولة الإسلامية» ممثلًا بديوان الركاز (مصطلح عربي قديم يدل على مختلف الثروات المدفونة بالأرض)، ومن بعده الوحدات الكردية ونجاحها في تشغيل حقل الرميلان في الحسكة والسعي لتصدير النفط هناك.

لمتابعة الملف، اقرأ أيضًا:

النظام السوري وآخر أوراقه النفطية –  الجزء 2

بعد خسارته الجزء الأكبر من الحقول والآبار يتجه النظام للحفاظ على ما تبقى له من الآبار في وسط سوريا بالقرب من تدمر، حيث حقل “جزل” النفطي الاستراتيجي الذي ينتج وسطيًا بين … المزيد

المحروقات … واقع عقيم في مناطق المعارضة –  الجزء 3

تعد الحكومة السورية المؤقتة، ممثلة بوزارة الطاقة، إحدى الواجهات السياسية التي من المفترض أن تدير هذا القطاع في سوريا خلال الفترة الحالية والمقبلة، لكن عدم قدرتها على… المزيد

تنظيم «الدولة الإسلامية» الرابح الأكبر –  الجزء 4

يسيطر تنظيم «الدولة الإسلامية» على الحقول في مناطق الشدادي والجبسة والهول وبالقرب من مركدة وتشرين كبيبة في ريف الحسكة الجنوبي، وهي تشكل حوالي… المزيد

إدارة الأكراد الذاتية تبدأ التصدير – الجزء 5

يسيطر مقاتلو حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) على معظم مدينة الحسكة منذ صيف 2012 بعد انسحاب القوات النظامية من المنطقة، وتعد الحسكة وريفها إلى جانب دير الزور…المزيد

تابعنا على تويتر


Top