نبيل داريا

21.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 46 – الأحد – 6-1-2013

21

رزان زيتونة

بعض الأشخاص خُلقوا كي يكونوا رسل محبة وأمل، ولايتعلق ذلك فقط بالمهمة أو المهام التي اختاروها لأنفسهم في الحياة، إنما بما هم عليه فعلًا في أيامهم جميعها، في الشأن العام كما في حياتهم الخاصة، في أوقات الشدة كما في أوقات الرخاء، عندما تسير الرياح بما تشتهي سفنهم، وعندما تعاكسهم بعناد.

هكذا كان نبيل الشربجي منذ اليوم الأول لمعرفتي به منذ سنوات، وهكذا استمر حتى اللحظات الأخيرة قبيل اعتقاله في السادس والعشرين من فبراير الماضي.

لم تكن المرة الأولى التي يعتقل بها، إذ سبق واعتقل في السادس عشر من آذار 2011، إثر مشاركته في اعتصام أمام وزارة الداخلية بدمشق مع عشرات من النشطاء والناشطات وعائلات المعتقلين، الذين اعتصموا للمطالبة بالكشف عن مصير المختفين قسريًا والإفراج عن أحبتهم.

في جلسة الاستجواب أمام قاضي التحقيق بعد نحو أسبوعين، كان كعادته، مبتسمًا، يلقي النكات حول ظروف اعتقالهم ويطمأن على الأصدقاء وأحوالهم.

نبيل ابن الثمانية والعشرين عامًا، مدون وصحفي وناشط سلمي. تخرج من كلية الصحافة، التعليم المفتوح، وخاض تجربة الكتابة الصحفية والتدوين. لكن ذلك لم يمنعه قبل بدء الثورة من البقاء بالقرب من «العنب البلدي»، من الأخضر الذي يحب، حيث كان يستخدم خبرته التي نالها بعد تخرجه من المعهد الزراعي في مشاتل داريا الخضراء.

إلى جانب التظاهر السلمي وغيره من أنشطة تنسيقية داريا التي كان عضوًا فاعلًا فيها، كان لنبيل نشاطه الحقوقي في توثيق المعتقلين والشهداء في مدينته، ليأتي اليوم الذي يُدوَن فيه اسمه إلى جانب المئات ممن سبقوه إلى المعتقل ودوّن تفاصيل اعتقالهم.

اعتقل نبيل في مدينته داريا على حاجز طيار للمخابرات الجوية. كل ماتسرب عنه منذ ذلك الوقت، هو أنه شوهد في أحد سجون مطار المزة مرتين، نقل بعدها إلى معتقل الفرقة الرابعة، ثم أُعيد إلى معتقل مطار المزة، ومنه مؤخرًا إلى سجن صيدنايا العسكري.

لم يسمح له بزيارة حتى اللحظة، ولعله لم يعلم بما استجد خلال الأشهر الأخيرة، بالمجزرة التي ارتكبت في داريا، بارتفاع عدد شهداء المدينة من بضع عشرات يوم اعتقاله، إلى أكثر من ألف ومئتي شهيد حاليًا. بالعديد من الأصدقاء الذين سيخرج يومًا ليجدهم في عداد الشهداء. بالمدينة التي نزح معظم سكانها واعتقل خيرة نشطائها. سيجد أن الكثير جدًا قد تغير. لكن سيجد رفاق الدرب لازالوا على عهدهم، وأحبته افتقدوا وجوده بينهم، لكنهم عاشوا طيلة أشهر غيابه مع ماكان يشيعه من محبة وأمل في كل تصرف وكل كلمة.

سيجد أن سوريا تغيرت وكذلك معظم السوريين، وأن القادم يحمل من التحديات والصعوبات ما لايقل عما مضى. لكنه سيكتفي بالابتسام والمضي قُدمًا، حاملًا عبء ما مضى وما سيأتي. تلك من شيم النبيل.

تابعنا على تويتر


Top