أمهات… على حافة عام جديد

Syria_mother_and_children_AFP.jpg

بيلسان عمر – دمشق

إن جميع القصص الواردة في هذه المادة حقيقية، وليست من محض الخيال، وحصلت مع أمهات خلال هذه الحرب.

فعند كل مناسبة تتجمد الدماء في عروق الأمهات وهن يعتقدن أن الفرج مقرون بهذه المناسبة، ويزعمن أنهن صدقن إشاعات العفو عن المعتقلين، وفتح الطرق إلى المناطق المحاصرة، والعودة إلى الديار، وغيرها مما تستجديه أنفسهن، وها هو 2016 عام جديد تستقبله الأمهات، دونما بارقة أمل.

سفر بعيد وأجل قريب

السيدة أم كريم، حفظت حجارة طريق الفرن بحّة صوتها، وضحكتها، وهي تتناقل مع الواقفين الأخبار وبأدق التفاصيل. تأخرت دقائق ذاك اليوم، وعند وصولها، استلمها الواقفون “عشرة بلدي”: شمستك عالية يا أم كريم! ” أي والله خلوها ع الله، ربينا ولادنا كل شبر بندر، الله وكيلكم معي هالكم قرش جمعتهم بدي جوز فيهم ابني فارس الله يخليلكم ولادكم، وقررنا نسافر فيهم، ونعيش برا البلد أشرف من هالعيشة اللي كلها ذل وإهانة وتحقير، والله كلنا عم نطلع غصب من عن أنفنا مو بخاطرنا.. أمس رحت مع ولادي فارس ومصطفى أعمل لهم جوازات سفر.. واعتقلوهم قال شغلة سؤال.. وبلشت لاطش هون وهون والله متل الحية المشوبة الله لا يشغل لكم بال على محب.. وما استفدت شي.. قال إذا ما عليهم شي بيحولوهم من فرع الأمن على دريج ليخدموا احتياط”.

لقد كان الاعتقال حليف أبناء أم كريم هذه المرة، وبات أسرع من الطائرة التي ستقلّهم، تعلق السيدة “هربنا من القدر، فلحقنا.. وصار سفرنا بعيد.. وأجل اعتقالهم قريب.. قالولي ع أول السنة في عفو عن كل المعتقلين.. الجدد خاصة”.

أبنائي! علّكم بالباب أنتم

“منذ اللحظة الأولى لاعتقال أولادي الثلاثة وأنا أحمل صورهم في محفظتي، وأقبّلها كل مساء.. بل كل لحظة، أتباهى بها أمام جاراتي، وأحدثهن عن تفاصيل أيامي معهم، أجوع علّ يومًا يأتي فأشبع فيه برؤيتهم، وأعطش ظنًا مني بأن حلاوة الصبر تكفيني، وأبرد علّ نصيبي من الدفء يتسلل إلى مهاجعهم، أبتسم عند كل موقف تقاطعت فيها عيوني وعيونهم، أشتم روائحهم، وأسمع ضحكاتهم، ثم يصارعني النوم، فيختطف تلك الرائحة مني، ليبدلني الله برؤى تراودني في منامي، لأصحو متضرعة إلى ربي أن يردكم لي سالمين، وأن تكون كل الإشاعات وصور الجثث المتوفاة تحت التعذيب والمسربة لحرق قلوبنا ضرب من لعبتهم الوحشية بنا لا أكثر، فكل حروف وأرقام لغات البشرية تصغر أمامكم، لا مجرد أرقام كما يزعمون.

ثم أسرع إلى جارتنا أم أحمد لتفسّر لي حلمي، وكل مرة يتقاطع حديثنا مع صوت جرس البيت، فأعود مسرعة علّكم بالباب أنتم أو حرٌّ من رفاقكم ينقل خبرًا عنكم، وأفتح الباب فإذا به سراب، وأتوسل المولى ألا يقبض روحي قبل أن آخذكم في حضني”.

وما زالت أم المعتقلين تعلّق آمالها علّ هذا العام القادم يحمل معه بشائر بحريتهم، مع عظيم ألمها بزواج زوجات أولادها من آخرين، وأخذهم لأحفادها معهم، ومرور أربعة أعوام على اعتقال أبنائها دونما أصغر خبر يجبر كسر قلبها.

“بالنقلة التانية بتاخدي ابنك وتيابكم”

منذ أربع سنوات أُخرجت السيدة أم سليم من عربين (الغوطة الشرقية)، وهي أم لثلاثة أولاد أكبرهم من ذوي الاحتياحات الخاصة. ناءت عن حمل أثقالها وأولادها، وعناصر الجيش الحر يستحثون خطاها لتسرع، إذ وجدوها أثناء تفقدهم الحي مع أولادها يعانون بردًا وجوعًا وحزنًا على استشهاد والدهم، “أصرّوا على إخراجي، وبدؤوا يصرخون.. بالنقلة التانية بتاخدي ابنك التاني وتيابكم،  لسا الطريق شغال، وساعدوني بالوصول لأقرب نقطة للخروج.. اشتد القصف.. تركت كل أغراضي.. وحملت ريم وسلوى.. وبقي سليم المعاق.. بين صراخهم من جهة وبكاء أولادي الجياع وأصوات القصف وجدت نفسي خارج عربين على أمل ترك أولادي عند أقاربي في الشام والعودة لأخذ سليم وحاجياتنا.. استمر الحال شهرين من المحاولات التي فشلت بعد وصول نبأ قصف المنزل الذي فيه سليم واحتراقه وعدم تمكن إعاقة سليم من مساعدته للنجاة”، ورائحة دخان المنزل مازال في أنف الأم كل لحظة، لا يتجدد فقط في رأس السنة من ذات تاريخ حدوثه.

بقولوا لي “أم الشهيد ارفعي راسك!”

“كلما رآني أحد، ربّت على كتفي، وبدأ يضخ كلمات العزاء لي، وأن أرفع رأسي عاليًا فأنا أم الشهيد، أي رأس بقي لي من بعد ولدي الغالي”، تقول السيدة أم الشهيد سامي متحدثة بما ناءت الجبال عن حمله أمام مصابها، “أعرف أنك عاهدت الله، فصدقت وعده، ورفعت رأسك ورؤوسنا جميعًا برجولتك في زمن قلّ فيه الرجال، وإن غبت يا ولدي عن عيني فالروح مسكنك، فكيف يغيب من في الروح سكناه؟، الكل مشتاق إليك، الأهل والأحبة والأصدقاء، وحجارة الطريق، وعتمة الليل لتذهب عتمتها بنورك، أقلّب صورك علها تجبر القلب الذي انكسر، وها هو عام جديد يمر على ارتقائك، وطيفك لا يفارقني..” ثم يصارعها الألم فتختنق كلماتها بعبراتها “ليت أمي لم تحمل ولم تلدني كي لا أشهد هذه اللحظة… ريتو الموت إجا لقلبي وعيوني وما مستك وردة.. ولي على قلبي ونظري عليك يا ابني.. شلون رموا التراب ع وجهك.. شلون تركوك ورجعوا.. تبلى عيوني بالعمى يا ضي عيني”، فمازالت المناسبات ومهما كانت رسمية تحرك آلام الملتاعين، وتنصب شركها حول دقائق أيام فقدهم الصعبة.

“واقعة بين نارين.. الكل ولاد قلبي”

من الآلام التي خلّفتها الحرب، انقسام الأسرة ذاتها بسبب اختلاف مواقفهم السياسية، فالسيدة أم ياسين، تمزقت أوصال أسرتها، بين شاب ملتحق بالجيش الحر، وآخر بجيش النظام، وابنة تزوجت موظفًا كبيرًا برتبة “ثائر فيسبوكي”، وثانية أحبها ضابط أمني، وطلب يدها من والدتها مقابل أن تتخلى عن زوجها المعتقل، “واقعة بين نارين، الكل ولاد قلبي، والكل عم يغلطوا بحق بعض.. وما عم يقدروا يفصلوا مواقفهم عن حياتهم الشخصية، وكل ما زرت واحد بينزعج التاني، وحليها إذا بتنحل”، وتتأمل أن يحمل لها العام الجديد ما يثلج صدور أولادها، ويلم شملهم جميعًا، وتعود الأفراح لتعمر ديارهم بعد أن فرقتهم رحى الحرب.

لميا المجنونة

” فوجئت لميا في ركضها بحملها الوسادة على صدرها بدل الطفلة، الطفل الصامت (أنس) في يد والوسادة في اليد الأخرى، وقفت على الجسر، وقررت أن ترمي الوسادة التي خدعتها، لكنها بدل أن ترمي الوسادة رمت الطفل، وجدت لميا نفسها بدون أعباء، بلا طفليها، بلا زوجها، ثم بلا عقل، دخلت الملجأ في الضفة الأولى بجانب باب النهر الكبير، هناك كانت النساء مكومات والأطفال صرعى. رأت بطن أم العز المقتولة، يتحرك، كانت أم العز على وشك الولادة، حين قتلوها”.

هذا مشهد من رواية “كما ينبغي لنهر”، للكاتبة منهل السرّاج، التي تروي بلغة الرمز أحداث ثمانينيات حماة، فمازال الابن يمارس سياسة أبيه في فطر قلوب الأمهات على أبنائهن.

تابعنا على تويتر


Top