شتاءُ “مضايا” الطويل

فادي القاضي

شاركتُ يوم الثالث من شهر كانون الثاني الحالي في حلقة خاصة من برنامج “إن سايد ستوري” الذي تبثه قناة الجزيرة الإنجليزية، وغطت الحلقة موضوع الحصار الذي تفرضه قوات حكومة الأسد والميليشيا المتحالفة معها على بلدات سوريّة، مثل مضايا والزبداني، والآثار الإنسانية المترتبة عليه.

ومن الواضح أن أولى هذه التداعيات، هو الخطر الذي يتهدد حياة البشر القاطنين في البلدات المحاصرة. ولا يحتاج الأمر إلى الكثير من التحليل لإدراك أن حصارًا امتد على مدار أكثر من 200 يوم، مع عدم توفر أي دليل على دخول مواد تموينية وإغاثية وطبية إلى هذه المناطق، قد يكون أحال الحياة داخلها إلى كارثة بطيئة، وقاتلة، إلى حد بشع.

وما قلته أنا، لا يذهب بعيدًا عما قاله الضيفان الآخران اللذان شاركا في الحلقة، من زاوية أن التجويع أضحى سلاحًا فتاكًا في سياق الحرب الدائرة في سوريا، وأن المسؤولية المفترضة بمنظمات ووكالات الأمم المتحدة لإدخال المساعدات والمواد الإغاثية، هو دورٌ مشروطٌ بتوفير ضمانات (سياسية وعسكرية) من قبل الأطراف المعنية، وهو ما ليس متوفرًا الآن.

والحقيقة، أن الأمم المتحدة، وعبر مساعد الأمين العام للشؤون الإنسانية الذي زار سوريا في شهر كانون الثاني الماضي، قال وبكل صراحة إن الأمم المتحدة تُقدر عدد الذين هم بحاجة ماسة للمساعدة (الإنسانية) في سوريا يُقارب 4.5 مليون،في مناطق يُفرض حولها الحصار أو تقع في بؤرة اشتباكات عنيفة، في حين أن نسبة من تم الوصول اليهم وتلبية احتياجاتهم لا يتجاوز 1.5 بالمئة من هؤلاء.

لكن، تساورني أسئلةٌ قلقة حول ارتباط الحديث عن المسار السياسي، وقرب انعقاد المفاوضات بين الفرقاء المتحاربين، والوضع الإنساني في كل سوريا. وبرأيي، كما عبرت بكل وضوح في البرنامج التلفزيوني المشار إليه، أن احترام وتلبية الاحتياجات الإنسانية للسكان، سواء كانوا في المناطق الخاضعة لسيطرة الأسد، أم في المناطق التي تم تحريرها من سيطرته، لا يجب ولا ينبغي أن يكون مرتبطًا أو معتمدًا على التوافقات السياسية، أو بشكل أوضح، مرتبطًا بأي طريقة كانت بالخيار السياسي. لكن، وكما هو واضح، فالحرب في سوريا سجلت خرقًا لكل قاعدة عُرفية وقانونية عرفها التاريخ.

وفي الأثناء، يتحدث مبعوث الأمم المتحدة لسوريا، عن ضرورة أن تقوم الأطراف المتحاربة بالبدء فيما أسماه “إجراءات بناء الثقة” بينها عشية المحادثات المرتقبة. لكن، لماذا لا يقوم المبعوث الأممي بمحاولة حث الأطراف (وأنا أقول أن يحث لأنني أدرك أن ليس لديه سلطانٌ عليها) على أن تتبنى أن يكون علاج الوضع الإنساني في سوريا، وفك الحصار وإدخال المساعدات، هو البند الأول في أجندة أي مفاوضات إن لم يكن شرطًا لها.

تابعنا على تويتر


Top