روسيا ومفاوضات “جنيف 3”

حذام زهور عدي

قبل أن تغزو روسيا سوريا عسكريًا، كانت الداعمة الرئيسية للنظام الأسدي، سياسيًا وتزويدًا بالأسلحة التي يحتاجها في معالجته الأمنية للثورة السورية، والحامية الدبلوماسية له في مجلس الأمن ومنظمات الأمم المتحدة. وبالرغم من انحيازها التام له فقد كانت تطلق في كل مرة تصريحات توهم فيها السوريين والمجتمع الدولي بموقف شبه محايد ورغبة بإيجاد حلٍ سياسي للمشكلة. ولتأكيد موقفها ذاك، كانت تعمد إلى استدعاء بعض المعارضين ذوي المصداقية، وتُلغمهم بوجوه تصنعها واضعة أقنعة المعارضة عليها، محتفظة في أعماقها بالموالاة لنظام الإرهاب الأسدي، وخرجت بمؤتمر موسكو الأول والثاني، اللذين كانا مسرحية سيئة التأليف والإخراج والتمثيل. ثم أتبعتهما- بكل صلافة ووقاحة- بمؤتمر الأستانة الذي كان كوميديا سوداء تثير الاشمئزاز.

كانت السياسة الروسية تلعب لعبة الوجهين، الوجه المتظاهر بالحرص على السلم من خلال المؤتمرات والتصريحات التي تنكرها بعد لحظات من إصدارها، ووجه الاستمرار بالدعم الكامل للأسد ونظامه. وبين هذا وذاك تخرج أصوات سورية تتفاءل بالحراك الروسي، وأخرى تعرف مضمونه لكن تاريخها لا يسمح لها أن تخرج من فرقة التطبيل والتزمير التي اعتادت عليها.

روسيا اليوم تلعب اللعبة ذاتها في التحضير لمؤتمر “جنيف 3” مع الفارق، إذ بعد مؤتمري فيينا اللذين اضطرت بهما لقبول حدود قريبة من الوضوح من أجل الحل السياسي، وقرار مجلس الأمن الذي وافقت عليه، كان عليها أن تكون أكثر جدية في تناولها للمسألة، فالمراوغة واللعب أصبح مكشوفًا، وكيف لا يكون كذلك وطائراتها تعيث مجازر في السماء السورية، ودماء الأطفال والأبرياء صبغت ضمير العالم بالحمرة القانية حتى غطت على أي ادعاء لها بأنها غزت سوريا من أجل داعش، أو من أجل تحقيق السلام. لكن بوتين ولافروف مايزالان مصرين على موقفهما الحقيقي: نحن هنا على الأرض، وبيدنا أوراق المؤتمرات التي صنعناها، ومعنا على الأرض حزب كردي يتلطى وراء شخصيات سورية وهمية، لن يمر حل إلا من خلالنا وكما نخطط له. ماذا تريد روسيا اليوم؟ وهل تملك رغبة حقيقية بالتوصل إلى اتفاق معقول نسبيًا لسوريا؟

روسيا تريد إنهاء المقاومة المسلحة لنظام الأسد قبل المفاوضات، ولذلك تشتري الوقت بطرح شروط تعرف مسبقًا أن هيئة المفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض لن تقبل بها، لأن ترجمتها الحقيقية تفريغ جميع الالتزامات –على قلتها- التي أقرتها المؤتمرات الدولية، وبالوقت نفسه تزيد شراسة الضربات العسكرية والدعم القتالي المباشر للمقاتلين الداعمين للأسد، ثم تجلس على طاولة المفاوضات لتفرض ما يريده الأسد وما تريده مافيا بوتين. لكن وضعها الداخلي والاقتصادي ووعود بوتين للشعب الروسي كل ذلك لا يسمح له بوقت غير محدود، ولذا ستنجز ما استطاعت إنجازه بأقل وقت ممكن وستدخل بعده المفاوضات التي قد توحي فيها لوفد الأسد أن يماطل ويضغط من خلال التظاهر بالمماطلة، ليحقق أحد هدفين: إما أن ينسحب وفد المعارضة، أو أن يقدم التنازلات التي خططت لها روسيا معه. وكلا الهدفين مربح لهما.

روسيا اليوم تلعب لعبة عض الأصابع سياسيًا، ولعبة الانتصارات العسكرية المدوية إعلاميًا واقعيًا، وعلى المعارضة أن تُفشل خططها بمواجهتها بصلابة ووضوح، على المعارضة أن تعرف:

1- روسيا ليست محايدة ولا راعية للسلام إنها جزء من وفد النظام.

2- روسيا لا تستطيع الاستمرار بالحرب في سوريا، وهذه ورقتنا القوية في المفاوضات، ليس فقط لأن بوتين وعد الشعب الروسي بثلاثة أو أربعة أشهر لإنهاء حربه، وليس لفضائح الدماء السورية التي أراقها جيشه، ولا لوضعه الاقتصادي -مع أن كل ذلك مؤثر- بل لأنه يدرك تمامًا أن فتح حدود الزمن يعني أفغانستان أخرى بكل معنى الكلمة، وأن السياسة الأمريكية تنتظر هذه الفرصة لتنهيه.

3- ورقة القوة الأخرى بيد المعارضة هي في نتائج أي حل لا يؤمّن مصالحة وطنية حقيقية ولا يضمن العدل لشعب عانى الويلات خلال خمس سنوات مضت، وبالتالي فإن الإرهاب بدلًا من أن يُقضى عليه سيتمدد ويقوى.

4- وأقوى ورقة على الإطلاق بيد المعارضة هي ورقة الشعب السوري، إنها دماؤنا، دموعنا، آلامنا، تشردنا، منازلنا التي نُهبت والتي دُمرت، مدننا التي خُربت، ولن تنطلي علينا بعدها لا ألاعيب روسيا ولا تردد أوباما وإدارته ولن نترك نتنياهو يستمتع أكثر بخرائبنا.

وليس على أبطال الشعب السوري إلا الصمود وإبطال المفاعيل العسكرية الروسية، وليس على وفد الشعب السوري للمفاوضات إلا تمتين التحالف مع الإخوة والأصدقاء والصلابة والصبر، ولنجعلهم يصرخون ألمًا من أصابعهم التي يراهنون عليها. فالشعب السوري من أكثر الشعوب خبرة بلعبتهم لعبة عض الأصابع.

تابعنا على تويتر


Top