حول الحل السياسي مجددًا

جريدة عنب بلدي – العدد 50 – الأحد – 3-2-201232

عتيق – حمص

أحيا الشيخ معاذ الخطيب مجددًا الجدال الفكريّ الثوريّ بعد ركودٍ طويل دام أشهرًا بمبادرته الأخيرة التي حملت شرطان للتفاوض والحوار مع نظام الأسد رأى البعض أنها دون مستوى طموحات الشعب السوري، فيما اعتبرها آخرون مكسبًا ماديًا حقيقي -فيما لو تم تنفيذهما- في غياب أي مكاسب ملموسة من النظام على مدى سنتي الثورة بعد كل تلك التضحيات.

الساحة السوريّة شهدت نقاشات مكثّفة في بداية الثورة حول مشروعيتها وأحقيتها، ثم حول سلميّتها، وتتالت النقاشات والحوارات الساخنة في مواضيع عدّة، وما إن بزغ نجم العمل المسلّح حتى بدأت تخبو هذه النقاشات، وتقلّ مواضيعها، إلى أن جاءت قنبلة الخطيب، في تصريحه على صفحته على الفيسبوك، حول استعداده المشروط للحوار مع بعض أركان النظام، فشهدت الشبكات الاجتماعيّة والمنتديات والجلسات اليوميّة نقاشات ساخنة، جدّدت الحياة الفكريّة أو تكاد.

لا أريد أن أرجّح رأيًا على آخر، لكن سأسجل بعض الملاحظات التي أثارتها النقاشات:

• التحركات والمبادرات يجب أن تخدم وتحقّق مصالح الأحياء، لا مصالح «مفترضة» للشهداء..

يقول البعض بأن هذه المبادرة لا ترضي الشهداء، أو لن تنال رضاهم، وهذا المنطق غريب حقًا، ففضلًا عن ادعاء رأيّ محدّد للشهداء (الذين كانوا يختلفون فيما بينهم وهم أحياء بالمناسبة)، فكيف يتصور أن تحقق المبادرات مصالح لهم.

مجددًا هذا الكلام عام، ويشمل أيّ تحرّك أو مبادرة.

• من يقول بأنّ التفاوض والحوار مع النظام غير مقبول بعد كلّ هذه الدماء التي سالت، فلم أغلقنا باب الحوار منذ الشهر الثاني في الثورة عندما لم يكن عدد الشهداء قد تجاوز المئتين؟ إنّ الشعارات التي تبنيناها بدايةً (لا للحوار، لا للتفاوض، لا للتنازل …الخ) هي التي صنعت من المعارضة «معارضة فنادق»، إذ لم يعد يجد سياسيو الثورة ما يفعلوه بعد أن سحبنا منهم مسبقًا أيّ تحرّك سياسيّ ممكن، لم يتبقى سوى أن يطالبوا بتسليح الثورة، ويعقدوا الاجتماعات هنا وهناك.

ما هو هامش التحرّك السياسيّ الذي تركناه للسياسيين؟ هذا السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا، مهما كان موقفنا من مبادرة الخطيب.

• تهدف المبادرات عادةً إلى تقديم تنازلات معيّنة لا تمس الغرض الجوهري من الحراك الشعبيّ، بينما تحقّق الأهداف الكبرى بأقلّ الخسائر الممكنة.

البعض يقول بأنّ كل ثمن رخيص مقابل تحقيق الهدف السامي.

وهذه مغالطة، لأنّ حجم التضحيات ليس هو الذي يضمن تحقيق أهداف الثورة (خاصةً الثورات المسلّحة)، والذي يقرأ التاريخ يعرف ذلك، ها هي الجزائر قدّمت قرابة مليون ونصف المليون شهيد في ثورة دامت عشرة سنوات تقريبًا.. فأين هي الجزائر اليوم ثقافيًا وحضاريًا وسياسيًا واقتصاديًا … الخ ؟ وما هذا إلّا مثال واحد.

الذي يضمن نجاح الحركات الشعبيّة هو الوعيّ العام، والفكر المتجدّد المستجيب لمتطلبات الواقع.

لقد وضع علماؤنا خمسة مقاصد أساسيّة تتفرع منها المقاصد الأخرى، وتدور حولها الأحكام الشرعيّة، وتهدف لتحقيقها، وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال، بينما تستنزف الحروب والصراعات المسلّحة هذه المقاصد الخمسة كلها معًا، مما يفترض أن نكون حساسين دومًا لأيّ أسلوب يمكنه تسريع إنهاء الصراع مع ضمان تحقيق الأهداف الجوهريّة.

• مع انطلاقة الثورة، تعاملنا بقدسيّة شديدة مع الأسلوب السلميّ في تحقيق أهدافنا، وبمراجعة ما كتبه المعارضون والكتّاب في ذلك الوقت، من منافع الثورة السلميّة ومضار الثورة المسلحّة نستبين هذا الملمح، وما هي إلا فترة أشهر، تعرضنا خلالها لمجازر عنيفة للغايّة (خاصّة في ساحات الاعتصامات)، حتى بدأنا نتلمس تكوين جناح عسكريّ لحماية الثورة، ثم مضت أشهرٍ أخرى عدنا فيها للتعامل المقدّس مع الوسيلة، وهي هنا السلاح، ولم نعد نرى في العمل السلمي (أو حتى الإعلامي أو الإغاثي) شرفًا عرمرمًا، وكل ما أخشاه، أن نمرّ لاحقًا بمطبّات أخرى (أم بدأنا نمرّ بها حقًا)، تشعرنا بأهمية العمل السياسيّ أيضًا.

دعونا نخرج من تقديس الوسائل، ولنتعامل بمرونة، ولنستغل كافة أشكال العمل الممكنة.

تابعنا على تويتر


Top