ظلمهم السوريون وساعدهم المضيفون..

حكاية نجاحٍ سورية بعد مشوار طويل في الشتات التركي

12648099_880392808745236_924533292_n.jpg

ليان الحلبي – عنب بلدي

“وصلت إليها.. كانت زيارتي الأولى إلى المدينة الكبيرة والمخيفة”، بهذا الانطباع وطئت أقدام آية وهبة مدينة اسطنبول، برفقة ابنتها الصغيرة، قادمةً من حلب. لم تكن الصيدلانية، ذات الـ 30 عامًا، تنوي الإقامة الدائمة في اسطنبول، حين جاءتها عام 2012، بل كانت زيارة مؤقتة، ريثما يُنهي زوجها غيث جديد، وهو مهندس معماري، استكمال أوراق تأشيرة الزيارة لها ولابنتها في أربيل. لكن العائلة افتتحت اليوم مشروعًا للمفروشات في المدينة، بعد رحلة طويلة من الشتات والبحث عن الاستقرار والعمل.

كان الزوجان ينعمان بحياة مستقرة في حلب، وكان غيث يملك مكتبه الخاص، بينما تعمل آية على افتتاح صيدليتها، حين انطلقت الثورة، فلم يعد عمل غيث ممكنًا في ظل الظروف السائدة وتلاشى حلم افتتاح الصيدلية، التي أصبحت ضمن منطقة تماسٍ بين قوات النظام والمعارضة.

حلب.. أربيل ثم اسطنبول

اضطرا للبقاء عدة أشهر بلا عمل في حلب، إلى أن عُرض على غيث عملٌ مغرٍ في أربيل، مع وعود من المحامي باستقدام الزوجة والابنة خلال مدة قصيرة، تقول آية “هنا كانت نقطة التحول المفصلية في حياتي… وغادرنا حلب”.

لكن أمور غيث تعثرت في أربيل، وتلاشت الوعود بلمّ شمل العائلة تدريجيًا، وتقول آية “أصبحنا أمام خيارين، إما البقاء في تركيا بجيوب فارغة مع عدم وجود أي فرصة لتعديل شهاداتنا، أو نعود إلى حلب لنبدأ من الصفر مع مستقبل مجهول”.

“ظلم ذوي القربى”

العائلة قررت البقاء في اسطنبول، وتوضح آية “حاولنا طلب النصيحة من بعض السوريين المقيمين في تركيا، ولكن لا نصيحة ولا مساعدة من أحد، بل على العكس تعرضنا للنصب في أسعار البيوت من قبل بعض السوريين في الفترة الأولى”.

وتضيف “قدر الله لنا أن نجتمع لاحقًا ببعض الأتراك الرائعين، يتكلمون الإنكليزية، ووجهونا إلى بعض المدارس التي تحتاج إلى مدرّسين عرب، وكذلك إلى بيوت ذات أسعار مناسبة للإيجار”.

محاولات للتأقلم مع البلد المضيف

وبدأ كل منهما عمله بالتدريس، بينما حاول غيث في الوقت ذاته، تعلم برامج هندسية جديدة مطلوبة في تركيا، وجهّز سيرة ذاتية باللغة التركية، وأرسلها إلى مواقع العمل، ويقول “تعبنا والرواتب كانت بسيطة جدًا، ولكننا والحمد لله تعلمنا خلالها اللغة ومفاتيح البلد، وأنشأنا علاقات اجتماعية جديدة”.

خلال هذه المدة (نهاية 2012)، بدأت أعداد كبيرة من السوريين بالوصول إلى تركيا، وتقول آية إنها تذهب إلى مراكز الباصات باستمرار لتقديم المساعدة قدر الإمكان للوافدين “كان قلبي يحترق لمشهد العوائل المتجمّعة هناك، والأب يضع يديه على خديه وحوله الحقائب والأطفال، لا يعلم أين يذهب وماذا يفعل”.

كان هدف آية تقديم النصائح والمعلومات للاجئين، بشأن المناطق الأقل تكلفة للسكن، وكيفية تحويل أو استلام المبالغ المالية، وشراء خط هاتف جديد أو حتى إعطائهم هاتفها، لطمأنة الأهل والأقارب، خصوصًا وأن السوريين حينها لم يكونوا منتشرين بهذه الكثافة التي تشهدها تركيا اليوم، وتقول “كنت أحاول مساعدتهم قدر الإمكان لأنني أشعر بهم، وبحرقة القلب التي تأتي ليس من الغربة فحسب، بل من تخلي أبناء بلدك عنك فيها”.

رحلة أخرى نحو الشرق

مطلع 2013، عُرض على غيث العمل في معمل أخشاب صغير يملكه رجل تركي، في مدينة أرزنجان (شمال شرق تركيا). وتعتبر آية أن الرجل عاملهم كـ “الأب”، إلا أن الراتب كان بسيطًا ولا يكفي لسد مصاريفهم، ما اضطرها إلى البحث عن عملٍ آخر لتساند زوجها.

اتجهت إلى تنمية ميولها الفنية، وبدأت حضور دورات عبر الإنرنت عن “الديكوباج”، أي الطباعة على الخشب والزجاج، ووضعت جدولًا زمنيًا مدته ستة أشهر لتنهي تعلمها.

بدأ التطبيق العملي، ونفّذت العديد من القطع اليدوية، نجح بعضها وفشل آخر، وبعد حوالي عام، قررت دخول مجال التسويق، وتقول “درست السوق التركي على أرض الواقع وعبر صفحات الانستغرام وغيرها، وصار عندي تصور واسع عن طبيعة القطع المرغوبة والأسعار، وبدأت أصنع قطعًا وأبيعها تدريجيًا، الحمد لله”.

ازداد الطلب على أعمال آية وصار عبء العمل كبيرًا، فوظّفت فتاة وعلّمتها، وأعطتها راتبًا شهريًا لتساعدها في العمل.

المشروع يشرق في اسطنبول

درس غيث السوق التركي جيدًا، وعادت العائلة في 2015 إلى اسطنبول، وافتتحت ورشتها الخاصة لتصنيع المفروشات مع معرض تابع لها، بمشاركة صديق وأحد الشباب الأتراك اللذين ساعداهما بداية الطريق.

تشعر آية اليوم بالـ “راحة” بعد مشوار طويل، وتقول “استطعنا خلال أربع سنوات تحقيق ما تمنيناه، وانطلقت أعمالنا بشكل رائع، وصار يعمل معنا عدد كبير من السوريين… كنت أدعو الله دومًا أن يوفقنا في عملنا لنوفر لغيرنا فرص عمل أيضًا”.

وتوجهت في ختام حديثها بالنصيحة “لكل سوري اضطرته الظروف للجوء إلى أي بلدٍ، ألا يستمع إلى كلام المُحبِطين من حوله، وليثق بقدارته وبتوفيق الله عز وجل، وليطرق جميع الأبواب المتاحة دون يأس أو كلل، فلابد بالنهاية من الفرج”.

تابعنا على تويتر


Top