الاتفاق الروسي- الأمريكي والنظام العالمي الجديد

حذام زهور عدي

منذ اللقاء الأول للثوار مع السفير فورد علموا حدود الموقف الأمريكي من الثورة السورية، عندما قال “نحن نريد تغيير سلوك النظام وليس إسقاطه”. ولم يطلب السوريون بادئ ذي بدء غير ذلك في معظم المدن السورية، إذ وافقت غالبية النخبة المثقفة على الأفكار الإصلاحية التي قُدمت في أكثر من مؤتمر، إلا أن استمرار معالجة السلطة للطلبات المحقة، وفق اعتراف بشار نفسه، بالحل الأمني والعنف المطلق من عقاله، وإصدار القوانين “المهزلة” باسم الإصلاح، كان سلوك الأسد في ميزان التيار الشعبي، اليائس من إمكانية أي إصلاح لهذا النظام، فقالوها بصوت واحد من شرق الوطن إلى غربه “الشعب يريد إسقاط النظام”، ولمست كثير من الدول صدق الموقف الشعبي وعدالته وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، فقررت دعم مطالبه وعقدت مؤتمر أصدقاء سوريا، الذين تجاوزوا المئة، وسمع الشعب السوري للمرة الأولى منهم شعارات: “بشار فاقد الشرعية وعليه أن يرحل”.

مع تدخل إيران وأذرعتها الميليشياوية، ثم التحالف الروسي- الإيراني ومالكي العراق الأسدي، ومع تحويل الثورة إلى عسكرة، بدأت المساومات العالمية، وتحركت اللوبيات المؤثرة في واشنطن وموسكو، وانتشرت أصوات في العاصمتين تقول “دعوا الأشرار ينهي بعضهم بعضًا”، وتحولت أصوات طلب الرحيل الفوري إلى “ليس للأسد دور في مستقبل سوريا”.

واستطاع التحالف الإيراني- الروسي إفشال محاولات إخراج الأسد وإنهاء نظامه، بتوفير السلاح له مرة وبالسياسة (الفيتو) مرات أخرى، وبممارسة التهجير وأشكال العنف والتجويع. وأظهرت أمريكا عجزها عن مبادرة حاسمة، محتجة بعدم وجود قرار تعتمد عليه من مجلس الأمن.

حتى الوسطاء الدوليون أعلنوا يأسهم من نجاح مهمتهم بسبب عدم الدعم الكافي وضعف الإرادة السياسية للدولتين العظميتين في إنهاء المشكلة.

كان معظم السوريين يضعون المواقف الأمريكية في دائرة الشك، غير مصدقين عدم قدرتها على اتخاذ موقف فعلي، ينصفهم ويُلجم ما يقع عليهم من كوارث. بعضهم كان يعذرها بعدم التدخل البري، فيتمنى فقط منعها الطيران الأسدي من إيقاع المقتلة بهم، كما فعلت بشمال العراق أيام صدام حسين، واعتقدوا أنها لو فعلت ذلك لكانوا تمتعوا بأمان ورخاء، ولم يحتج أحد إلى ذل الهجرة وأهوالها، بل كانت حمت أصدقاءها في المنطقة وفي أوروبا من “شرور” اللجوء.

كان السوريون في حيرة من أمرهم: هل يمكن للقوة الجوية الأولى في العالم أن تخاف من المضادات الأرضية السورية وهي ترى الطائرات الإسرائيلية تجول وتصول في السماء السورية؟ ثم توقعوا مع خطوط أوباما الحمر أن يأتي الموقف حاسمًا، ففوجئوا بعرض مسرحية كان الرابح الوحيد منها “إسرائيل”، وكان بوتين المؤلف والرئيس الأمريكي المخرج والممثل.

استبدلت مشاهد جثث الكيماوي الشك باليقين، وأدرك السوريون أن المسألة ليست تراجعًا عن موقف سابق، إنما، وكما صرح أوباما علنًا، عدم وجود خطة أمريكية لسوريا، أي عدم وجود إرادة سياسية أمريكية لحل المسألة السورية، التي تُركت في طريق التعقيد يومًا بعد يوم.

اتُخذت القرارات دون فاعلية وعُقدت المؤتمرات الكوميدية، لكن مأساة العصر ازدادت اتساعًا وآلامًا، والسيد كيري يلقي التصاريح جزافًا، يمينًا وشمالًا، ويرش الزئبق بينهما، ومال الناس إلى تصديق التصريحات الروسية التي كانت توحي دومًا بتنسيقٍ ما مع الإدارة الأمريكية، حتى جاء التدخل العسكري الروسي بثقله كله، وعبَرت الناقلات البحرية الروسية أمام الأساطيل الأمريكية والغربية، ليس لتغض النظر عنها فقط إنما، لربما، لتُفسح لها الطريق أيضًا.

تساءل السوريون: هل يمكن لأمريكا أن تُقدم سوريا بهذه البساطة لروسيا؟ وما هي المصلحة الأمريكية في ذلك؟ هل هو تقاسم نفوذ على طريقة القرن العشرين؟ وما هو المقابل؟ هل تنازلت أمريكا كليًا عن كونها القطب الأوحد في نظام عالمي انهار؟ وهل اعترفت بروسيا الجديدة كمعادل لها في نظام عالمي جديد بدأ بدمائنا؟ وهل مؤتمرات فيينا 1 و2 والنصائح الأمريكية بحضور حتى مؤتمري موسكو هي بالتنسيق بينهما؟ وهل منعها السلاح النوعي عن الثوار ليدافعوا عن أنفسهم هو أحد مظاهر النظام العالمي الجديد؟ وكيف لمن يقود العالم أن يرتكب مثل هذا الإجرام الأخلاقي والقانوني والإنساني، إن لم يكن هناك اتفاقات سرية بإنهاء الثورة وتقديم حصاد الهشيم بدلًا منها؟ وهل ستستمر المأساة السورية حتى يجد التوافق الأمريكي- الروسي في النظام العالمي الجديد طريقه للاستقرار؟

ونحن… ما الذي علينا فعله؟ وهل بمقدورنا فعل شيء إذا كنا بوادٍ والقوى العالمية بوادٍ آخر؟

بدءًا، بعدما تكشفت معظم الخيوط، على السوريين ألا يثقوا بأي مبادرة، فالمبادرات الروسية والأمريكية سواء، تأتي تارة مع لافروف وأخرى مع كيري، والسياسة الأمريكية لن تستقر إلا بعد الانتخابات الأمريكية، أي بعد سنة تقريبًا، سنة تمر أثناءها دماء كثيرة تحت الجسر السوري. ولكن التسرع بالرفض ليس في صالحهم أيضًا، فلابد من دراسة كل حالة بمعيار مصالحنا فقط.

وعلينا أيضًا أن نمتّن تحالفاتنا مع أصحاب المصلحة المشتركة، وللمرة الأولى في تاريخ المنطقة الحديث يبدو عيانًا أن الأمن القومي العربي واحد، وأنه كالأواني المستطرقة إذا أصيب طرف منه اهتزت المنطقة كلها.

على السوريين أن يُمارسوا السياسة ويبتعدوا عن الانفعال، وأن يُكوّنوا القوة الذاتية التي تستطيع تغيير الموازين ومن يدري؟ فلربما أثرت في النظام العالمي الجديد نفسه وعدّلت فيه. ألم تكن الثورة السورية ثورة عالمية دفعت الدول العظمى إلى إعلان ولادة النظام العالمي الجديد؟

تابعنا على تويتر


Top