الشيخ الشهيد أبو حامد زيادة

27جريدة عنب بلدي – العدد 54 – الأحد – 3-3-2013

«شيخ في عمره، شاب في عزيمته »

«إن هذا الجيل الجديد سيصنع ما لم نستطع فعله نحن» بهذه الكلمات كان أبو حامد يشحذ همم أبنائه وأحفاده الذين كانوا يلتفون حوله كلما زارهم أو زاروه، يقول أحد أحفاده. ويتابع الحفيد القول: منذ نشأنا ووعينا على هذه الحياة، كان جدي يأتي إلينا في نهاية الأسبوع كل خميس ويعلمنا القرآن، ويحثنا على تطبيق تعاليم الإسلام… كان كثير الفرح والسرور بأحدنا عندما يحفظ جزءًا من القرآن الكريم، كان يقوم إليه يقبله ويحمد الله عز وجل أن جعل من نسله حفظة لكتاب الله.

منذ بداية الثورة كان يرى النصر قادمًا، وكان دائمًا يحثنا على المتابعة في الثورة…. كان على الدوام يقول لنا ولكل من يقابلهم من أصدقائه ورفاقه «هذا الجيل الجديد سيصنع ما لم نستطع فعله نحن» يقول حفيده الآخر، ويخبرنا دائمًا أن النصر قريب ولابد لهذا الظلم أن يزول، ولابد من الصبر حتى النصر.

اعتقل ابنه «طالب» في الأشهر الأولى للثورة، فلم يثنه ذلك عن موقفه ولم يمنع أيًا منّا، نحن أبناؤه وأحفاده من متابعة السير في طريق الحرية والكرامة الذي اخترناه.

يتابع الحفيد القول:

أخرجه أبناؤه من داريا مرغمًا عند حدوث المجزرة الكبرى في آب 2012، لكنه سرعان ما عاد إلى مدينته في اليوم التالي، «فهو لايستطيع العيش بعيدًا عن مدينته، كان يريد أن يطمئن على أهله وأبنائه وجيرانه داخل المدينة» يقول أحد أبنائه.

وتبدأ حملة عسكرية جديدة على المدينة، ويُجبَر «الشاب الثمانيني» على مغادرة منزله لكنه يأبى الخروج من المدينة، ويجبره أولاده على الذهاب إلى الأردن، وما هي إلا أيام وإذا به يطرق الباب على ولده جمال ليقيم عنده في بيته الواقع في الطرف الآخر من المدينة. وهناك في منزله الجديد تابع حياته المعتادة، يذهب كل يوم إلى المسجد لصلاة الجماعة لا يمنعه عن ذلك قصف أو برد. ويوم الثلاثاء 27 تشرين الثاني 2012 يتحلق أحفاده أبناء جمال (صبا ومؤيد وأحمد) حوله ويطلبون منه أن يأخذهم معه إلى المسجد لصلاة الظهر، فيستجيب لطلبهم. وفي طريق عودتهم من مسجد السمح بن مالك الخولاني القريب من المنزل، يتجدد القصف الذي كاد ألا يهدأ في ذلك اليوم، راجمات الصواريخ تدك المدينة من كل جهة، وطائرات النظام تخترق سماء المدينة لتلقي الموت والدمار على ما تحتها، فيحث الشيخ الشاب خطاه نحو المنزل رأفة بصغاره. ويدخل المنزل مع أحفاده ويشعر بالراحة لوصولهم بسلام بعد لحظات من الحذر والخوف من القصف الشديد. وماهي إلا لحظات حتى يسقط صاروخ في البناء الذي يسكنون، فيصبح البناء ركامًا فوق رؤوس ساكنيه الذين فُقد معظمهم تحت الأنقاض. وخلال دقائق تصل فرق الإسعاف والإنقاذ إلى المكان وتبدأ عملها، ولينتشلوا جثامين الحاج أبي حامد وأحفاده صبا ابنة الخامسة، وأحمد ابن السابعة ومؤيد ذو العشر سنوات من تحت الأنقاض، بعد أن حان أجلهم وانتهت حياتهم الدنيوية.

استشهد أبو حامد وترك جرحًا عميقًا في نفوس زوجته وأبنائه وأحفاده وكثير من أصدقائه الذين التقيناهم والذين لم يتمكنوا من تشييعه وتوديعه وهم الذين غادروا المدينة مع بدء الحملة العسكرية على المدينة، في حين أبى الشيخ مغادرتها.. رفاقه الذين كان يشاركهم حضور مجالس العلم في المساجد ويعلمهم القرآن في مسجد أنس بن مالك حزنوا لفقد «أخ عزيز ومعلم جليل»، وهو الذي كان مثالًا للجميع شيبًا وشبابًا في الهمة والعزيمة على صلاة الجماعة في المسجد، يقول أحد الذين اعتاد الصلاة إلى جانبه في المسجد كل وقت.

الشيخ أبو حامد، ذلك الأب الحنون والجد الصالح والمعلم صاحب القلب الطيب والروح الدمثة، استشهد قبل أن يرى ابنه طالب المعتقل منذ قرابة السنتين، وهو الذي كان دائم الذكر له شديد الشوق إليه، كان دائمًا يدعو فيقول «أتمنى أن أرى ولدي طالب مرة ثانية قبل أن أموت» كما تخبرنا الحاجة أم حامد.

أبو حامد «الشيخ الشاب» الذي أمضى سنيّ عمره في داريا، منذ ولادته فيها قبل ما يناهز ال>ثمانين عامًا، أبى إلا أن يبقى في مدينته ليراها تعمر من جديد أو ليموت على ترابها، فكان له ما أراد وضمه تراب مدينته الذي تعطر بدمه ودم أحفاده الذين كانوا يحلمون بمستقبل جميل لمدينتهم ولأنفسهم.

تابعنا على تويتر


Top