نهاية الطائفية

حذام زهور عدي

أثار حافظ الأسد النعرة الطائفية لتكتيل قاعدة اجتماعية تدافع بدمائها عن تفرده وديكتاتوريته، بعدما كان زمان النهضة القومية والنضال التحرري قد طواها وقرُب من دفن تاريخها، مُمتنًا النسيج الاجتماعي السوري. بعد موته سار الوريث على الدرب نفسه، الذي أصبح أكثر اتساعًا من خلال غض النظر عن استشراء الفساد وتخصيص فتات السلطة لأبناء الطائفة، ليوحّد مصالحهم الحياتية مع وجوده، ويُعطيهم دفعًا معنويًا للتلاحم معه سامحًا لأجهزته الأمنية بإثارة تاريخ الاضطهاد والمظلومية التي كانوا بها قبل وجود سوريا المستقلة، كأفضل وسيلة لإقناعهم بأنه الحامي لهم وبأنه يمثل دولتهم التاريخية التي نالوها بعد الاضطهاد الطويل، وأن عليهم الدفاع عنه حتى الموت فبإزالته سيزولون.

في مدينة حمص، التي هاجر إليها عدد كبير من قراهم بتشجيع من النظام الأسدي، أثار خبر موت حافظ الأسد ذعرهم، فنزلوا على دراجات نارية يرددون بأصوات عالية “بالروح بالدم نفديك”، وكما يتظاهر اليوم حزب الله في لبنان ليُرهب باقي المكونات اللبنانية ويصادر حقهم بالحرية والكرامة، كذلك فعل معظم جمهور الأحياء الموالية، بتحريض من الأجهزة الأمنية التي بادرت هي نفسها لطمأنتهم بأن المملكة الأسدية مستمرة على يد الوريث.

مع بدء الثورة كان سيف الطائفية الذي سنّ النظام حدّه جاهزًا، فقد كان يُسنّ مدة أربعين عامًا لمثل هذا اليوم، وكان شباب الثورة ونخبة الطائفة وبعض مثقفيها شديدي الانتباه له، لكنّ كيد اللعب بالطائفية المتداخلة مع المصالح الاقتصادية كان أثقل من قدرة الشباب على احتماله. فما إن أعلنت بثينة شعبان في تصريحاتها الأولى عن الحرب الطائفية حتى هرع شباب الثورة لرفع أصواتهم عاليًا “الشعب السوري واحد”، وفي مظاهرة الساحة الشهيرة بحمص كان الخطباء حريصين على تقديم صورة المجتمع السوري الموحد، كما يظهر في الفيديو الذي وثّق تلك المظاهرة، بل رفع الأستاذ نجاتي طيارة في أحد مآتم الرستن شعار “الدين لله والوطن للجميع” وردده بعده جموع الحاضرين. في الوقت نفسه كانت أجهزة السلطة تثير التجييش الطائفي وتدفع بشبابها للنزول المسلح بسياراتٍ يجوبون فيها شوارع وسط المدينة، مطلقين النيران بالهواء تارة، وعلى المحلات التجارية تارة أخرى، بل حاولوا النزول بمظاهرات تنطلق من أحيائهم وتحاول الصدام مع مظاهرات المعارضة، وقد بذلت النخبة الواعية من الجهتين الكثير لمنع ذلك الصدام، ثم عادت المظاهرات السلمية ترفع شعار “يا علوي نحنا أهلك ابن الأسد ما بينفعك”، ترددها جميع مظاهرات المدينة، قابلتها أجهزة السلطة بتصعيد الإشاعات المفبركة عن اكتشاف أوكار للإخوان المسلمين الذين يتحضرون لذبح الموالين، كما أشاعوا الخوف من مخالطة أهل المدينة، لدرجة امتنعت إحداهن عن متابعة عملها في وسط المدينة، وعندما سألتها أجابتني بأن شباب حارتهم (وبعضهم يعملون في الأجهزة الأمنية) منعوها وأخبروها بأن الحماصنة سيختطفونها ويذبحونها، علمًا أن حادثة واحدة لم تحدث في ذلك الوقت. ثم تابعت الأجهزة الأمنية تجييشها فشكلت فرق الشبيحة، وقصدت أن يكون معظمهم طائفيًا، للقيام بأعمال التخريب والخطف ووضع الحواجز واضطهاد أي عاقل حاول أن يمنع هذه المظاهر أو تعاطف مع مظاهرات الثورة، بل سُجن بعضهم ولفَقوا له التهم، ومع استمرار خطف البنات من منازلهن، أحيانًا بحجة أنهن مطلوبات أمنيًا، ولأن الثورة لم تكن لها قيادة منظمة ومسيطرة على الوضع، فقد تشكلت مجموعة من شباب المظاهرات وقامت بالأعمال نفسها كرد فعل، وسهّل العارفون بخطط العسكرة أمر الحصول على السلاح لإظهار الوضع على أنه حرب أهلية طائفية كما أراد لها نظام الأسد ورئيسه أن تكون.

في مدينة حماة جرى السيناريو نفسه، وبذل شباب حماة جهدًا كبيرًا ليتجنبوا أي تفسير طائفي للثورة، لدرجة أن ثلة منهم ذهبت للقاء “الميكروباصات” القادمة من ريف الغاب إلى المدينة بالورود وهي تهتف “واحد واحد”، وكانت ورود مظاهرة أطفال الحرية التي حاول أطفال المدينة تقديمها للشرطة المحيطة بالمظاهرة والتي اختلطت بدمائهم بسبب الكمين المسلح الذي أعدته أجهزة الأمن بطلب من ماهر الأسد، كما صرح مسؤول الأمن العسكري بحماة الذي انشق بعد ذلك، وظلت مدينة سلحب ذات الطابع المذهبي في سهل الغاب، تقاوم دفعها  لمستنقع الطائفية طويلًا، واحتمل كثير من أهلها قمع المخبرين وأجهزتهم وحوادثهم المفبركة ودفعوا أثمانًا باهظة لموقفهم ذاك. والشرح يطول إذا استرسلت في ذكر ما حدث على أرض الواقع في تلك الفترة وفي المدينتين الرئيستين اللتين فجر النظام العداوة الطائفية بهما أو بريفهما، سابقًا في الثمانينيات واليوم في الثورة السورية الكبرى.

في الذكرى الخامسة للثورة السورية اليتيمة، نستطيع القول إن النظام نجح في تحقيق ما أراده من التجييش الطائفي وعسكرة الثورة، وجَعَل شباب الطائفة، وبعض الموالين من الطوائف الأخرى، يدفعون ثمن بقائه بالسلطة المطلقة الفساد، بل أشعلهم حماسًا لاستقبال المحتل الأجنبي بالأفراح وإقامة الأعراس له، بعد أن استقدمه، وأوهمهم اليوم بأن إنشاء إمارة لهم تُبقي آل الأسد على رئاستهم أمرٌ مطلوب لحماية وجودهم، ولا عبرة لتقسيم الوطن وسلامته. لكنّ الطائفة التي رفضت المخطط الاستعماري سابقًا لن تبيع تاريخها الوطني من أجل آل الأسد، وواهمٌ من يعتقد بأن الأمور ستنتهي كما رسم النظام الأسدي نهايتها.

لكن الثورة اليوم، من جهة أخرى، تجد أن على عاتقها مهمة مقاومة مشاريعه الكارثية، فماذا أعدت قيادتها السياسية، وكوادر التنظيمات المختلفة التي انبثقت عنها، وتشكيلاتها المدنية المرتبطة بتلك القيادة، والمستقلة عنها في الداخل والخارج، ماذا أعدت في سنتها السادسة من مشاريع لإحباط مخططات النظام الأسدي وحلفائه؟ وهل ترى الأهمية القصوى للعمل الجاد على إحباط تمزيق الوطن، من أجل سوريا الديموقراطية الموحدة؟ بيقين انتصار الثورة يقين مثله، ستنتهي الطائفية مع نهاية النظام الذي جيّشها وسيعود هتاف “واحد واحد” يملأ أجواء سوريا الحرة.

تابعنا على تويتر


Top