الثورة التي تشب على شيء، تشيب عليه

جريدة عنب بلدي – العدد 55 – الأحد – 10-3-2013
شادي – دمشق

بعد عامين من القتل والاعتقال والتشريد، لن أتكلم عن النظام ووحشيته، والطائفية المقيتة التي يمارسها، فلقد أصبح ذلك من البديهيات، ولن أتكلم عن شجاعة الشعب السوري ومدى تضحيته في سبيل نيل حريته، وعن مدى معجزة استمرار الثورة والتي يتكلم عنها الكتاب والصحفيون ليل نهار وغالبًا ما يقرنون ذلك ببيع الوهم والأحلام الوردية لشعب ينهض كل يوم من تحت الأنقاض.
حديثي سيكون عن الإيجابيات والسلبيات التي وقعنا بها والتي نضعها أمام جميع الثوار
-1 عسكرة الثورة: منذ رمضان الفائت تحولت الثورة بالكامل إلى الجانب العسكري، وتقلص الجانب المدني في الحراك الثوري وأصبح التعويل فقط وفقط على السلاح، وهذا يعني الدمار الكبير والتضحيات الكبيرة، بالإضافة إلى أن الدولة القادمة -فيما لو نجح العمل العسكري- ستكون بقيادة عسكرية جزئيًا أو كليًا، وربما كان الجنوح نحو العسكرة بسبب رغبة الجماهير بالتخلص من الذنب الأخلاقي لعدم مشاركتها بالحراك السلمي، ففي الآخر لا حجة لها بعدم المشاركة، وبالأول الحجة معروفة… لا نستطيع حمل السلاح !!
بالإضافة إلى انخراط العديد من الكتائب في معادلة السلاح المشروط، بحيث أصبح قرار الكتائب مرتهنًا للجهة الممولة بالسلاح، فقرار الحرب والسلم بيد تلك الجهات لا بيد هذه الكتائب، وهذا لا يعني أنه لا يوجد كتائب ترفض أي تمويل مشروط .

-2 جبهة النصرة: بين قوة الجبهة عسكريًا وأمانة أفرادها، وبين أخطائها وتهاونها بدماء الأبرياء، يبقى مشروعًا لنا أن نسأل ماذا بعد الثورة؟ وما مصير المجاهدين العابرين للحدود -تحت عيون الغرب وتسهيلاته – للمشاركة بالقتال ضد النظام السوري بعد انتصار الثورة؟ والخلفية الإسلامية التي ينتمون إليها معروفة.

-3 المعارضة والحل السياسي: خلال السنتين الماضيتين تشكلت تكتلات وانفرط عقد تكتلات، ثم عادت فتشكلت تكتلات جديدة، وهكذا دواليك حتى أصبح حلم تحقيق الوحدة العربية أقرب إلى الذهن من حلم توحد المعارضة السورية !!
إلا أن تشكيل الائتلاف برئاسة الشيخ معاذ الخطيب -بعد جمع المجلس الوطني وإعادة المنشقين عنه إليه وإضافة بعض المقاعد لعدد متفرق من التكتلات الصغيرة- ربما يعد تطورًا هامًا في الثورة السورية وخصوصًا بعد أن طرح الخطيب مبادرته حول الحل السياسي والتفاوض مع النظام على رحيله، موجهًا ضربة بذلك لمقولة طالما أتحفنا بها عدد من وجوه المعارضة، وهي أنه لا تفاوض إلا بعد رحيل الأسد -لا أدري على ماذا سيكون التفاوض وقتها ومع من!!- والعبارة الشهيرة التي قالها أحد المعارضين المقيمين في أوروبا: سنقاتل حتى آخر طفل سوري !!
إن فكرة الحل السياسي تقوم على ترتيبات بناء الدولة القادمة ورحيل النظام بحيث تحقن الدماء وتجنب ما تبقى من سوريا بلا دمار، فالتعويل على الحل العسكري يعني تدمير دمشق بالكامل -بعدما دمرت معظم المدن السورية أثناء سلوك هذا الحل- وبالتالي التأثير على أكثر من ثلث السوريين الذين يجدون في العاصمة ملاذًا من أتون الحرب الدائرة.

-4 الطائفية: انتشر الخطاب الطائفي في السنة الأخيرة في إعلام الثورة انتشارًا كبيرًا، ويعزى ذلك إلى زيادة وحشية النظام وإلى رغبة بعض الجهات بزيادة التبرعات لها من قبل شعوب المنطقة التي يحاول حكامها صرف انتباههم بها عن مشروعية حكمهم وثروات بلدانهم .
وكثيرًا ما يواجه الناقد للطائفية بالثورة بعبارة: «النظام طائفي..» وكما قلت في البداية، هذا الأمر أصبح من البديهيات ولا حاجة للتذكير به. يقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنّا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا « حديث حسن
وبالتالي طائفيتهم لا تبرر طائفيتنا !!

-5 الاستقطاب الإسلامي العلماني: ازداد الاستقطاب بين الأطراف العلمانية والأطراف الإسلامية ضمن قوى الثورة وتكرر الحوادث التي شهدت احتكاكات بين هذه الأطراف، وهذا إن أشار إلى شيء فهو يشير إلى أن هذه القوى تعمل على جمع أكبر المكاسب قبل إسقاط النظام حتى، مما يعني أن الاستقطاب سيزداد بعد رحيل رأس النظام (فرحيل النظام بحاجة لسنوات من النضال السلمي) وهذا بلا شك منفذ سيقوم النظام باستغلاله لإعادة إنتاج نفسه، وما نموذج مصر عنا ببعيد !!فلا بد من سد هذه الثغرة عبر تشكيل تجمع لكل قوى الثورة يكون همها الوحيد هو بناء دولة لكل مواطنيها وليس تحقيق مكاسب فئوية أو حزبية .

-6 الموقف من أخطاء الثورة: من لا يعمل لا يخطئ، ولكن من يخطئ ويرفض الاعتراف بالخطأ ويصمم على تكراره يعيد إنتاج النظام الذي ثار عليه، ولكن هذه المرة بأيدي الثوار أنفسهم !! وكثيرًا ما يقابل المنتقد لأخطاء الثورة بالكلمة التي يقولها مؤيدو النظام عند تذكيرهم بأخطاء النظام: مو وقتها !!ولكن ما يميز أغلبية الثوار أنهم ثاروا ضد الظلم والاستبداد والقهر، ويرفضون العودة إليه، وتعزز ذلك في الفترة الأخيرة عبر فضح كل مشوهٍ للثورة أو مرتزقٍ يعيش متطفلًا عليها.
اليوم نستطيع أن نصحح أي خطأ، وربما لن نستطيع غدًا أن نصحح ما ارتكبناه اليوم، والثورة التي تشب على شيء ..تشيب عليه!!
ولن ينفع الندم وقتها

تابعنا على تويتر


Top