المنشقون في سوريا والطوباوية الثورية

محمد رشدي شربجي

بشكل عام، كان تعامل جمهور الثورة وسياسيي المعارضة السورية مع المنشقين العسكريين والسياسيين عن النظام منفرًا، ولا شك أنه دفع الكثيرين من كوادر النظام لأخذ الحيطة والحذر واستبعاد فكرة “التورط” بالانشقاق أساسًا.

كثيرًا ما خرجت المظاهرات داعية أفراد النظام للانشقاق، ومن ثم عندما يستجيب البعض منهم (وهم نادرون للأسف)، يخرج علينا عشاق المؤامرات من كل حدب وصوب ليسلطوا الضوء على الخديعة الكبرى الكامنة خلف هذه الانشقاقات، مؤكدين دائمًا أن دافع الانشقاق هو إدراك المنشق أن سفينة النظام غرقت وأنه يسعى لتأمين حصته في المركب الناجي (تخيلوا! هكذا كنا نقول).

ورغم أن هذا الكلام لا يخلو من وجاهة في بعض الحالات، إلا أن تخوين المنشقين من قبل جماهير الثورة جعل الانشقاق يعني للمنشق المسكين الهرب والانعزال عن الثورة، مع ما يعنيه ذلك من فقدان الثورة لخبرات كبيرة في مختلف المجالات.

وتشير الوقائع داخل وخارج سوريا إلى أن الضباط العسكريين الذي أعلنوا انشقاقهم، غالبًا ما تم تهميشهم والاستخفاف بهم وبخبراتهم من قبل “المدنيين” المقبلين على التسلح، ولا داعي للقول إن كثيرًا من المعارك التي نتجت عنها مآس مهولة كان بالإمكان تجنبها لو أنه تم الالتزام بتعليمات الضباط العسكريين، ولا داعي للقول أيضًا إن تغييب هؤلاء كان له دور بطريقة أو بأخرى بإفساح المجال أمام قوى أخرى حرفت الثورة إلى ما عليه الآن.

لا يعني هذا طبعًا إعفاء كوادر النظام من مسؤولياتهم الإنسانية تجاه شعبهم وسقوطهم الأخلاقي والجنائي المريع في كل المجالات، ولكنه بالتأكيد مسؤولية المعارضة والثوار، وهم يخوضون معركة غير متكافئة على كل الجبهات، بأن يساهموا في تحييد بعض كوادر النظام عن المشاركة في سفك الدم على الأقل، إن لم نقل دفعهم باتجاه تأييد الثورة.

ما ينطبق على العسكريين المنشقين، ينطبق على السياسيين بطبيعة الحال، وأبرزهم بكل تأكيد رياض حجاب، رئيس الوزراء السوري المنشق ورئيس الهيئة العليا للمفاوضات حاليًا، ونذكر هنا محاربة سياسيي المعارضة له قبل أن يحاربه النظام السوري نفسه، وهو ما جعله يبتعد لفترات طويلة عن العمل السياسي.

أعلن رياض حجاب تعليق مشاركة وفد المعارضة في مفاوضات جنيف، الأسبوع الماضي، قاطعًا الطريق بذلك على المجتمع الدولي الذي كان يرغب بتكرار المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية مع السوريين، مفاوضات بلا شروط مسبقة وبلا جدول زمني، تمتد إلى الوقت الكافي للنظام لتصفية الثورة على أرض الواقع، ولاقت هذه الخطوة، بحسب ما يظهره الناشطون في فيسبوك، ترحيبًا واسعًا من جماهير المعارضة، رغم وجود أصحاب نظرية المؤامرة الذين لا يكفون عن حياكتها.

يدرك الجميع أن تعليق المفاوضات قد يعني الانهيار الشامل للهدنة الهشة أصلًا، وهذا ما بدأ ينعكس في حلب خصوصًا، ورغم التكلفة الهائلة التي يتوقعها السوريون نتيجة ذلك، إلا أن الهيئة العليا زادت شعبيتها بعد إعلان التعليق، وهو ما يحيي في نفوسنا الأمل بوجود هيئة سياسية معارضة تحظى باحترام جماهير الثورة، بعد أن ضاعت علينا فرصة أن تكون هذه الهيئة هي مؤسسة الائتلاف بقيادة معاذ الخطيب سابقًا.

ليس هذا وضعًا مثاليًا، أعرف ذلك، وكلنا تمنينا أن تتمكن المعارضة من إيجاد بديل حقيقي للنظام قادر على الإقناع، ولكن الواقع ليس كذلك، فلا المعارضة قادرة على ذلك، ولم تخدمها الظروف الإقليمية (التقارب السعودي القطري التركي) كما خدمت هيئة المفاوضات اليوم.

خلافًا لما تعتقده الطوباوية الثورية الراغبة ببناء الدولة من البداية بعيدًا عن كوادر النظام، إلا أن تجربة الربيع العربي أثببت أن إصلاح الدول لا يمكن أن يتم دون مساعدة بعض أفراد النظام القديم نفسه، وتعطي المقارنة بين النموذج الليبي والتونسي مثالًا واضحًا على ذلك.

تابعنا على تويتر


Top