العقاب حرقًا

فراس علاوي

منذ بداية الثورة أطلق مناصرو الأسد وشبيحته هتافًا سمعه الجميع وجعلوه شعارًا لهم: “الأسد أو نحرق البلد”.

لم تكن مجرد كلمات عابرة أو شعارات أطلقها مجموعة من الشوفينيين المتعصبين لسيدهم الكبير بشار الأسد، بل هي استراتيجية عمل واضحة، فكان الرد على مطالب الثوار بالانعتاق والحرية ورفض الاستبداد، هو شعارات التمسك برأس النظام ومن يتبعه، وتصوير أن سوريا بلدًا وشعبًا في كفة الميزان يقابلها شخصٌ واحدٌ ديكتاتورٌ مستبد.

برأي الموالين للنظام لا وجود لسوريا دون الأسد، وهذه النظرة الضيقة دونية وتحتقر أصحابها بالدرجة الأولى، فهم اختصروا أنفسهم وأهلهم وحضارتهم التي ورثوها في شخص واحد.

قد نعذر مجموعة متعصبة أن تنظر بشوفينية لقائدٍ كبير حقق لها انتصارات كبرى أو حول بلدها إلى درجة البلدان المتقدمة، لكن التعصب لفئة أو لشخص لم يقدم شيئًا على أي من الأصعدة هو تعصب وشوفينية غبية، وبالفعل شاهدنا هذا في نماذج جعلت من “البوط العسكري” مثالًا لها. ومن قَبِل على نفسه هذا الهوان على استعداد أن يدمّر البلد ويحرقها ويذر رمادها على رؤوس الجبال.

بداية الحراك الثوري لجأ النظام للحل الأمني ونظرية “الأسد أو نحرق البلد”، وعليه روّجت وسائل إعلامه لحوادث، كإحراق دوائر الدولة والسجلات المدنية (النفوس) واتهام المتظاهرين بها أولًا، وكانت هذه الدوائر منتقاة وليست عبثية، وذلك لعدة أسباب أبرزها طمس معالم الهوية السورية للسوريين واستقدام مرتزقة أجانب يلعبون على وتر الطائفية.

ثانيًا، إحراق المحاكم، وخاصة الجنائية، من أجل إخراج الكثير من المجرمين وطمس جرائمهم، وفي الوقت ذاته اتهام المتظاهرين على أنهم مجرمون حرقوها لإخفاء سجلهم العدلي.

ثالثًا، حرق الدوائر العقارية من أجل تهميش حقوق الناس وأملاكهم، والتصرف بالعقارات والأوقاف وبيعها حسب ما يشاء وإعطائها لمن يريد.

كانت هذه مقدمات لتغيير ديموغرافي يخطط له النظام مبكرًا، وهي أولى مظاهر العقاب حرقًا في البلد.

بعد ذلك بدأت مظاهر أخرى من قبل “الشبيحة”، عندما كانوا يقتحمون منازل المطلوبين للنظام، ويحرقون أملاك العائلات، بدايةً من آليات النقل والسيارات الخاصة، وليس انتهاءً بالمنازل كاملةً والمزارع والمحاصيل الزراعية، وفق ما أظهرته عددٌ كبيرٌ من التسجيلات المصورة المسربة، في حصار جديد للحاضنة الشعبية للثورة ومحاربتها في لقمة عيشها.

ومع ازدياد الصراع ضراوةً وتحرير الكثير من المناطق، عمد النظام إلى إحراق تلك المناطق بحمم قذائفه وصواريخ طائراته وبراميله المتفجرة.

لم تكن هذه القذائف عشوائية كما يظن البعض، بل ممنهجة ومدروسة، فقد استهدفت البنى التحتية، ابتداءً بمحطات المياه ثم الكهرباء، وذلك للضغط على الحاضنة الشعبية للثورة من من أجل فك ارتباطها مع الثوار والجيش الحر.

ينسب لماهر الأسد، شقيق رأس النظام ووجهه الآخر، القول إنه لن يسلم سوريا إلا وهي مدمرة، وبغض النظر عن مدى مصداقية هذه العبارة، فإنها تعكس نظرة نظام الأسد لسوريا باعتبارها مزرعته الخاصة، وقراره بحرقها قبل تركها “للرعاع”، كما يصور الشعب السوري.

حرق المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد لم يشف غليله، فالتفت إلى المناطق التي تعتبر تحت سيطرته والتي يعتبرها خزان بشريًا له، سواء رضي أهلها أم لم يقبلوا، فاتجه إلى تغيير ديموغرافي طائفي فيها، وكجزء من هذه الخطة عمد إلى تهجير أهل المدن بأساليب شتى من مصادرة أملاكهم تحت ذرائع مختلفة كاتهامهم بالتعامل مع من يصفهم بـ “الإرهابيين”، واعتقال أبنائهم وتجنيدهم والضغط عليهم لترك بيوتهم.

واستكمالًا لهذا المخطط بدأ بإحراق المناطق التي يريد تهجير أهلها، متبعًا ذلك كأسلوب ضغطٍ ضدّهم، وهذا ما بدأت تشهده دمشق في مناطق مختلفة كسوق العصرونية ودمشق القديمة ومخازن القصاع وغيرها، وحماة أيضًا كحرائق كبرى في مناطق غابات مصياف الأسبوع الماضي.

مرة أخرى روّج النظام السوري أن حرائق مصياف سببها ماسٌ كهربائي وخطأ بشري غير مقصود، بينما قال أهالي المنطقة إنها تمت بفعل فاعل لا كما تقول الرواية الرسمية.

ويبقى التساؤل الأخير هنا: هل تكون هذه الحرائق هي السلسة الأخيرة في حلقات مسلسل العقاب الجماعي للسوريين، وتنتهي بنهاية من أحرقوا البلد كحال من سبقهم، فالملك فاروق أحرق القاهرة قبيل سقوطه، ونيروت أحرق روما ومات بعدها.

تابعنا على تويتر


Top