تتذرع الأمم المتحدة بضغوط القوى العظمى، فهل تتخلى عن واجبها الأخلاقي أيضًا؟

هفوات الأمم المتحدة والصليب الأحمر القاتلة

منصور العمري - كاتب وصحفي سوري

منصور العمري – كاتب وصحفي سوري

نقل الصحفي البريطاني بيتر غيل في كتابه “اليوم نرمي القنابل، وغدًا نبني الجسور”، تفسير مسؤول رفيع في الأمم المتحدة لعدم دعم الأمم المتحدة للسوريين في المناطق خارج سيطرة قوات الأسد. يقول مسؤول الأمم المتحدة: “لا نستطيع مساعدة الموجودين في المناطق (المحررة)، وذلك لوجود كوادرنا في دمشق. فلو ساعدنا الناس في تلك المناطق، سيواجه كوادرنا مصاعب حقيقية”، مفسرًا سبب عدم مساعدة الأمم المتحدة لأولئك الذين يعانون، لخوفها على موظفيها، ذوي الرواتب العالية والحراسة المشددة في دمشق، من الانتقام من حكومة الأسد “الشرعية”.

يخدم نهج الأمم المتحدة هذا، استراتيجية الأسد المعلنة للتجويع والحصار كوسيلتي حرب. لا يخفي النظام جريمة الحرب هذه من خلال كتابات بخط عريض على جدران حواجز التفتيش العسكرية، والتي أشار إليها عديد من الوسائل والجهات المعنية، بما فيها تقارير الأمم المتحدة، بالإضافة إلى المنظمات الدولية غير الحكومية لحقوق الإنسان. رغم ذلك، يبقى الأسد بعيدًا عن أي تسمية مباشرة تحمّله مسؤولية جرائم الحرب التي يرتكبها، وتحميه تعابير وصياغات لغوية من قبيل “عشوائي” بدلًا من “مستهدف أو متعمد”، و”يصعب الوصول إليها” بدلاَ من “مناطق محاصرة”، و”الأطراف المسؤولة” حتى عندما يكون هناك طرف واحد.

رفضت قوات الأسد في 12 أيار، الجاري، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى داريا منذ عام 2012، رغم الحصول على “موافقة مسبقة من جميع الأطراف”، بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، والتي نظمت القافلة مع الأمم المتحدة.

قبل يوم واحد، أبلغت اللجنة الدولية المستشفى الميداني في داريا عن عزمها تقديم مساعدات دوائية في اليوم التالي، بحسب المجلس المحلي في داريا. أوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن المساعدات ستضم الأدوية واللقاحات وحليب الأطفال ولكنها لن تضم مساعدات غذائية.

انتشر الخبر في داريا وخرج الناس في اليوم التالي منتظرين قافلة المساعدات المتوقع وصولها، وللتعبير عن خيبة أملهم لعدم توفر مواد غذائية ضمن المساعدات.

"لن ينفعني الدواء على معدة خاوية...أحضروا لي طعاماَ، حتى أستطيع تناول الدواء". الأطفال المنتظرين لقافلة المساعدات الموعودة. مصدر الصورة: المجلس المحلي لمدينة داريا.

“لن ينفعني الدواء على معدة خاوية…أحضروا لي طعاماَ، حتى أستطيع تناول الدواء”. الأطفال المنتظرين لقافلة المساعدات الموعودة. مصدر الصورة: المجلس المحلي لمدينة داريا.

وصلت قافلة المساعدات إلى أطراف داريا، فأصر ضباط قوات الأسد عند الحواجز استبعاد كلًا من حليب الأطفال والأدوية من المساعدات والسماح بدخول اللقاحات فقط، ولكن فريق القافلة أصر على دخول المساعدات بالكامل. استمرت المفاوضات بين الطرفين لعدة ساعات، بقيت خلالها القافلة دون أن تتحرك ودون جدوى إلى أن ألغيت المهمة، وتوجهت القافلة عائدة إلى دمشق حوالي الساعة 6:15 مساء، ولم تُسلّم أي مساعدات للمدينة المحاصرة.

بعد أن منعت قوات النظام السوري قافلة المساعدات الطبية للجنة الدولية والهلال الأحمر السوري من الدخول إلى دارّيا، قصفت أماكن تجمع الأهالي الذين ينتظرون قافلة المساعدات الموعودة، وقُتِل أب وابنه وأصيب خمسة أشخاص بجروح.

بدأت قوات الأسد حصارها لمدينة داريا في تشرين الثاني 2012، ونجا حتى الآن حوالي 8 آلاف شخص، ما يزالون محاصرين في معتقل حقيقي، مع تمدد شبكة الأسد للاعتقال حتى الموت في سوريا، لتشمل بلدات ومدن بأكملها.

ردًا على رفض قوات الأسد دخول القافلة، نشرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تغريدة على تويتر: “للأسف رُفضِ دخول قافلة المساعدات المشتركة مع الأمم المتحدة والهلال الأحمر إلى دارّيا، رغم حصولنا على تصريح مسبق من جميع الأطراف”.

لم يصدر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أي كلمة عن المأساة التي تلت فشلهم في توصيل المساعدات التي وعدوها، والتي تعرض المدنيين خلال انتظارهم لها إلى القصف من قبل قوات الأسد، ما أسفر عن قتل وجرح أبرياء يتضورون جوعًا.

في 8 أيار، واحتفالًا باليوم العالمي للصليب الأحمر والهلال الأحمر، نشرت اللجنة الدولية مقالًا على موقعها الإلكتروني حمل عنوانًا ترويجيًا: “سوريا: الهلال الأحمر والصليب الأحمر في كل مكان وللجميع”، ورغم وقعه المؤثر على المانحين الدوليين لتقديم مزيد من الأموال، إلا أن العنوان بحد ذاته كان مثيرًا للدهشة ولا أساس له من الصحة، ودحضه الشخص ذاته الذي ادّعاه. فبعد أن قالت ماريان غاسر، رئيسة اللجنة الدولية في سوريا، في تلك المقالة، إن “تواجدنا في كل مكان وللجميع في سوريا أمر مهم وينقذ الأرواح”، صرحت عكس ذلك بعد أربعة أيام: “يجب أن يكون هناك حد أدنى من الشروط للعمل الإنساني المستقل في سوريا…ونحث الأطراف المسؤولة على منحنا هذا الإذن على الفور”. “الأطراف المسؤولة” هنا هي نظام الأسد الذي رفض دخول الأدوية باستثناء اللقاحات. ليس من مهام اللجنة الدولية تحديد الأطراف التي ترتكب الانتهاكات، ولكن إخفائها للحقائق منهج غير مقبول.

ردت منظمة العفو الدولية سريعًا على قصف قوات الأسد للمدنيين الذين كانوا في انتظار المساعدات، وقالت في بيان لها: “ما يبدو أنه كان قصفًا عشوائيًا، أسفر عن مقتل وجرح مدنيين”، حسب ما ورد على لسان نيل ساموندز، باحث في قسم سوريا بمنظمة العفو الدولية. ما بدا لمنظمة العفو الدولية “قصف عشوائي”، كان قتلًا تمييزيًا وإصابات عمدية استنادًا إلى الحقائق التي تحيط بالمأساة. إن الأداة المفضلة التي تستخدمها الحكومة السورية في حربها ضد معارضيها هي استهداف الحاضنة المدنية لمعارضيها، وذلك لإرغامهم على العودة إلى الحظيرة التي كانوا عالقين فيها لعقود من الزمن. كان انتظار المساعدات المنقذة للحياة فرصة “مذهلة” للنظام السوري، وكل من الأمم المتحدة واللجنة الدولية بالتأكيد مسؤولتان عن ذلك. لا تستطيع الأمم المتحدة حماية المدنيين أو انهاء جرائم الحرب، فرغنا من هذا النقاش، ولكن يمكنها تحذير المدنيين من التجمع لانتظار قافلتها. هل كان اهمال الأمم المتحدة والصليب الأحمر لاحتمال قصف الأسد للمدنيين، يعود إلى أن الأمم المتحدة لديها ثقة في السلوك المنهجي الجيد للأسد! رئيس سوريا “الشرعي” في الأمم المتحدة!

عندما تكون آلة القتل على مقربة من ضحاياها، فإن معلومات الصليب الأحمر التي أتت بالأهالي إلى موقع تم قصفه، وعندما تفشل الأمم المتحدة في إيصال حفنة من الأدوية لأشخاص في أمسّ الحاجة إليها، تكون هذه الأفعال أخطاء قاتلة وعناصر أساسية في جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الأسد اليوم. إن صمت الأمم المتحدة واللجنة الدولية وإخفاء هوية الجناة، إضافة إلى تجنّب منظمة العفو الدولية توصيف الجرائم، يغطي جرائم الجناة ويشجعهم على الاستمرار في ارتكاب ما “يرقى” إلى جرائم الحرب، في حين يبقى العالم متفرجًا كما هو حاله في الأعوام الخمسة الماضية في سوريا.

تابعنا على تويتر

Read it in English

Top