شعير فيينا و”زيوان” مقاتلي الغوطة

حذام زهور عدي

لم يكن الشعب السوري يتساءل عن نتائج اجتماع أصدقاء سوريا الأخير في فيينا، ولم يراهن إن كانت النتائج قمحًا أم شعيرًا، كما يقول المثل، فقد أصابه الإحباط من تلك الاجتماعات كلها، وفقدت مصداقيتها عنده من قبل أن تدخل ثورته سنتها السادسة، وبخاصة أن روسيا وأمريكا موجودتان في ذلك الاجتماع، بعد أن اتفقتا فيما بينهما على السقف الذي يجب أن يخرج به، ولا أظن أن أحدًا من السوريين يجادل بعد الآن بفقدان الدولتين، الأكبر عالميًا، الإرادة لتغيير النظام الأسدي وانتصار الشعب السوري، فقد لمس السوريون أسباب فقد تلك الإرادة، ولم تعد تنطلي عليهم فكرة عدم القدرة على تغييره، وأحدث الأسلحة الروسية تمطرهم بأنواع الانفجارات المحرمة وغير المحرمة، بينما تمنع أمريكا عليهم السلاح الذي يرد عنهم أكثر عدوانٍ بربرية ووحشية.

وصحيح أن الشعير أقل الحبوب قيمة غذائية، وهو الغذاء الأساسي للحيوانات، لكن أهل الغوطة والمدن المحاصرة الأخرى كانوا يفتشون عنه غذاءً لهم دون أن يجدوه، أما اليوم فقد تكرم عليهم اجتماع فيينا بإلقائه بالطائرات “حين الضرورة”، ويبدو أن الأصدقاء الأعزاء لم يجدوا الضرورة إلى الآن بالرغم من موت العشرات جوعًا أو فقدانًا لما يحتاجونه من أدوية، وأصوات الأطباء والمسعفين والنساء والأطفال تُبح وهي تنادي الضمير المتواري في زواريب المصالح الغامضة، وتُسمع من خلال شاشات التلفزة والصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي الإنسانية التي لا تسمع.

ومن شعيرهم أنهم أعلنوا للمرة الألف التمسك بالحل السياسي، وكأن أحدًا منهم لا يعرف من المسؤول عن رفض الحل السياسي، مع أن برقية الأسد بالتمسك بالحسم العسكري قلعت عيون كيري ولافروف معًا، بل كأن من يخرق الهدنة ومن يستغل تجميد الخصم ليحقق المكاسب الميدانية ليس هو من يصر علنًا على الانتصار العسكري الحاسم، وليس هو من قتل وشرّد ومازال يقتل ويشرد الملايين من الشعب السوري.

ومنه أنهم مايزالون يؤكدون على الهدن بين المتقاتلين، ويحمّلون الطرفين مسؤولية خرق الهدن وردود الفعل المبالغ بها وقصف المشافي والكوادر الطبية وتهجير من تبقى، وكأنهم لا يعرفون من يقوم بذلك، بل كأنهم يخفون المسؤول بمثل هذه اللغة العمياء، والمضحك المبكي أنهم يشكلون لجنة لمراقبة الاختراقات طرفها الرئيسي روسيا، التي تلقي طائراتها الحمم المحرمة على رؤوس الناس يوميًا، والتي وضعت ثقلها المالي والسياسي والعسكري في خدمة النظام الأسدي. بل ما يجعل شعيرهم “زيوانًا” خالصًا هو إعلان السيد دي ميستورا تأجيل الاجتماع المقبل إلى ما بعد العيد، احترامًا لرمضان! الذي سيصعّد النظام الأسدي القصف فيه ويتفنن بأنواع الكوارث، كما اعتاد السوريون منه في الرمضانات الماضية، بينما يعلن كيري عن بدء وضع أطر المرحلة الانتقالية في الأول من آب المقبل، تنفيذًا لقرار مجلس الأمن، الذي لم ينفذ شيء منه، وكيري أول من يعرف أنه لن ينفذ منه شيء، إلا إذا استطاعت روسيا وإيران تحقيق الحسم العسكري وفرضت الاستسلام وفق شروطها بعد ذلك.

أيها الأصدقاء، لقد غمرتمونا بزيف محبتكم ودجل وفائكم، نأمل ألا تجتمعوا بعد الآن لتدعموا المراوغة، ولتصدروا لنا قناطير “الزيوان”، فلم يعد لدى الشعب السوري طاقة على تحمل جمائلكم، وما عاد سوري يهتم بجمعكم أو طرحكم. رحم الله أناسًا قالوا صدقًا أو صمتوا، فقد يكون صمتكم شعيرًا، أما كلامكم وقراراتكم فليست “الزيوان” فقط بل هي حجر الصوّان، الذي يقرقع أسفل القدر ليوهمنا بالطعام.

لم يكن السوريون مخطئين عندما صدحوا مبكرين بشعار “يا الله مالنا غيرك”، لكنهم لم يأخذوا بنصيحته عندما أوصاهم “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”، فتخلى عنهم عندما تخلوا عن أنفسهم، فمن يرى ويسمع الفواجع التي حصلت وتحصل بالغوطة لا يمكنه أن يأمل من فيينا وجنيف وكيري ولافروف غير الصوّان، إذ بدون هذه الفواجع كان أمل السوريين بدعم الأصدقاء لهم شعيرًا، فهل نعجب إذا ما تحول إلى صوّان بعد حوادث الاقتتال بين الفصائل التي لا يبررها منطق أو عقل أو اختراق كما يدعون؟

هل يمكن لهذه الدماء أن تنقذ الثورة بعد الآن والعالم هو على ما نراه من تخاذل؟ هل نحلم بصحوة ضمير للمتقاتلين قبل أن يقع الفأس بالرأس، أم أنه وقع وحسم المصير ووقعت نكبة في سوريا أكبر من نكبة فلسطين وهزيمة الـ 67 معًا؟

ألا فليعرني أحد بعضًا من الأمل إن بقي سوري لديه فائض منه.

تابعنا على تويتر


Top