تفجيرات الساحل.. وجهة نظر

حذام زهور عدي

رغم إصدار داعش بيانًا يعلن تبنيه للتفجيرات، ولأول مرة يذكر فيه أسماء من قاموا بالعملية وعددهم وكيفية التنفيذ، وبنشره عبر وسائل إعلامه المعروفة، إلا أن كثيرًا من المحللين العسكريين والأمنيين شككوا بهذه الرواية وتبعهم عددٌ ملحوظ من السوريين الموالين والمعارضين. وكان أهل حي الزهراء بحمص وقفوا وقفة مشابهة عندما تتالى تفجير السيارات المفخخة، وطالبوا وقتها بتبديل رئيس الأمن العسكري والمحافظ، متهمين إياهما بالتقصير والتهاون علنًا وربما بالتآمر سرًا.

ولا يأتي التشكيك بسبب تداخل أجهزة النظام الأسدي بتنظيم داعش فقط، وإنما يذهب بعضهم إلى أن العملية كاملة، تخطيطًا وتنفيذًا من صنع النظام نفسه، ويأتون ببراهين تعتمد على معرفتهم بالتحصين التام للأمكنة المستهدفة، وعلى روايات شهود عيان، ويعتقدون أن بيان داعش إما مزيف أو من صنع العناصر المخترقة له، ويجدون سوابق للنظام في تفجيرات دمشق عندما وُضعت جثث استشهد أصحابها تحت التعذيب سابقًا وأعلن أنهم انتحاريون. كما اعتمد أصحاب هذا الرأي على قراءة الوقائع، فالنظام في أزمة، والمفاوضات على الأبواب، وقد اعتاد الناس على التفجيرات المتزامنة مع هذا التوقيت،لتنبيه الدول الراعية بوجود الإرهاب وضرورة حماية الأقليات. ولم ينس هؤلاء سببًا مهمًا آخر هو محاولة إعادة التماسك لحاضنة النظام الشعبية الموالية،يعدما طفح كيلها واكتشفت أن الأسد يمشي بها في طريق الدمار لمستقبل أبنائها وللوطن كله، من خلال فزاعة المتطرفين الإسلاميين، وبذلك يكون النظام الأسدي هو المستفيد الأكبر من هذه التفجيرات، ومن البديهي أن السؤال الأول في التحقيق بأي جريمة هو: من المستفيد؟

لكنّ محللين آخرين صدقوا رواية داعش على أنها رد على محاولة استهدافها في الرقة وما حولها، وذهب آخرون إلى أنها من صنع متطرفين إسلاميين تواروا خلف داعش حتى لا يحملوا وزر المأساة، ودافعهم ما حدث ويحدث لمناطق المعارضة وحاضنتها الشعبية من مقتلة وقصف وحصار وكوارث فوق طاقة البشر ولا يمارسها ألدّ الأعداء وأكثرهم حقدًا وكراهية، وأنهم أرادوا تذكير النظام وحاضنته بأنهم ليسوا بمنأى عن التقتيل والمآسي، وكأنهم وفق رؤية الأستاذ حبيب صالح، يحاولون تبني سياسة توازن الرعب التي قد تخفف شيئًا من شراسة النظام ومؤيديه وحلفائه.

ما يلفت النظر أن أصواتًا تحدثت عن اقتتال محتمل داخلي بين حزب الله والنفوذ الإيراني من ناحية، والروس المتعاونين مع ضباط سوريين ضاقوا ذرعًا بالعجرفة الإيرانية من ناحية أخرى، وأن حزب الله نفسه هو من قام بهذه التفجيرات ردًا على اغتيال القائد مصطفى بدر الدين، إذ يعتقد الحزب أن قتله كان عملية سورية- روسية، وربما كانت هناك وجهات نظر أخرى مثل العلاقة بخلايا للموساد موجودة في سوريا لتزيد الاحتراب الطائفي وتدمّر ما لم يُدمر فيها.

تلك وجهات نظر تعددت جوابًا على سؤال من قام بهذه التفجيرات ودوافع كل جهة وجدها أصحاب الرأي أنها منطقية، ومع أن جميع تلك الاجتهادات قد تكون صحيحة، فبدون معلومات دقيقة وموثوقة لا يستطيع أحد الجزم والوصول إلى اليقين، الذي لا بد أن يظهر في يومٍ ما، لكنه لن يظهر اليوم أو في المستقبل المنظور.

ووفق الاحتمالات السابقة كلها فإن المسؤول عن هذه الحال هو الأسد نفسه، لذا أجد أن جدوى البحث عمن قام بالعملية محدود في غابة الاحتمالات تلك، وأن من قام بالعملية يستطيع ببساطة أن يتوارى خلف تلك التحليلات التي يعرفها جيدًا، وأجد أن ضياعًا أكبر وخدمة مثلى لمن قام بالتفجير أن نحصي عدد المسيحيين الذين قضوا بالانفجار وعدد العلويين أو الإسماعيليين أو السنة، ثم نبحث عن مدى قرابتهم لهذا المسؤول أو ذاك، أو هل هم من الفقراء الذين يبحثون عن لقمة عيشهم أم من ذوي النفوذ، ولايبقى سوى قياس مدى عدوانيتهم أو براءتهم.

لابدّ أولًا وبموقف جازم حازم لا تردد فيه أن نرفض رفضًا نهائيًا هذه الأعمال من أي طرف جاءت وأي طرف استهدفت، إذ بكل تأكيد المستفيد الرئيسي منها، بالرغم من التحليلات الأخرى كلها، النظام الأسدي وأعداء الشعب السوري وثورته، وهي تصب مباشرة بمخططات زيادة الشروخ في النسيج الاجتماعي السوري، وتدفع من يرفض الاقتناع بتقسيم سوريا إلى الاقتناع به، وتنشيط التغيير الديموغرافي وإنشاء مناطق خالية من النوع الآخر، تقتصر على طائفة معينة أو إثنية محددة، وبكل تأكيد فإن أحدًا من الدول الكبرى لا يهمها سيل دماء هذه الطائفة أو تلك، ولا سيما إيران وإسرائيل والأسد الذي أحرق البلد ليتابع تأسيس المملكة التي ورثها عن والده والذي يجد نفسه أحق بها مقارنة بحكامٍ آخرين.

أعلم أن الجراح عميقة ومؤلمة وأن ما حلّ بأهلنا قد تتخذه إسرائيل نموذجًا تحتذيه غدًا مع الفلسطينيين، ولكن أيضًا الحل ليس بالثأر أو بفشة الخلق، لأن العواقب أدهى وأمر، ولا أحد سيخرج سالمًا منها إن استمر هذا النظام بسيره في طريق الدمار، أتمنى وآمل من السوريين جميعًا ألا يضيعوا في متابعة الإجابة على سؤال من الفاعل؟ ويتوجهوا لوعي النتائج وتفويت الفرصة عمّن أراد ويريد شرًا مستطيرًا بهذا الوطن.

لتتشابك أيدينا معًا ولنعمل على حماية أنفسنا والوطن، فقد بلغ سيل الكوارث الزبى ونحن فقط بطوائفنا وإثنياتنا من سنعيش مع بعضنا في سوريا الحرة كما كنا دومًا، نقدم للعالم كله أجمل لوحة فسيفساء صنعها التاريخ.

تابعنا على تويتر


Top