توحيد الجهود الإعلامية في داريا وحل تنسيقيتي اللجان والإسقاط

عنب بلدي – العدد 62 – الأحد 28-4-2013

توحيد التنسيقيتينلم يعد خافيًا أن طول مدة الثورة السورية وكثرة تحولاتها وتعدد الأطراف التي تدخلت في مسارها ولّد خلافات عديدة بين الثوار على الأرض السورية تحت عناوين مختلفة، بعضها وصل من الحدة والتعقيد حد الاشتباك والتلاحم، وأخرى خلفت خصومات فكرية وسياسية معقدة، ولكن تبقى الخلافات قائمة ويبقى جذر المشكلة مرخيًا بظلاله على التحالفات الثورية القائمة على استعداء النظام السوري بشكل أساسي، بعض الخلافات إيديولوجية وبعضها شخصي وفي أحيان قليلة ناتجة عن صراع أجندات ومصالح.

ليست داريا استثناءً عن عموم سوريا، إذ لطالما أخفى الوجه الجميل للنموذج الثوري الداراني خلفه الكثير من الصراعات الإيديولوجية والجدالات الفكرية بين مجموعات من النشطاء والثوار العاملين على الأرض، لكنها انتهت أخيرًا وتحت وطأة الحملة العسكرية الأخيرة وبعد جهود كبيرة، بتوحيد جهود أبرز الأوجه الإعلامية للثورة في داريا، والمتمثلة بتنسيقيتي اللجان والإسقاط. فقد اجتمع  يوم 3  نيسان 2013 وتحت شعار «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا», نشطاء من كل من «تنسيقية مدينة داريا – لجان التنسيق المحلية» التابعة للجان التنسيق المحلية في سوريا، و «تنسيقية مدينة داريا – الشعب يريد إسقاط النظام» التابعة لاتحاد تنسيقيات الثورة السورية، وبحضور نشطاء مستقلين لحل مشكلة الاختلاف بين التنسيقيتين الذي انعكس سلبًا على العمل الإعلامي في المدينة في ظل تشتت الجهود الكبيرة المبذولة في مجال الإعلام، وتم الاتفاق على حل التنسيقيتين والانضمام إلى المكتب الإعلامي للمجلس المحلي للمدينة، وذلك بعد محاولات متكررة على مدى عامي الثورة لدمج التنسيقيتين وتوحيد العمل الإعلامي دون أن يكتب لها النجاح.
ونص الاتفاق على الموقع بتاريخ 4 نيسان 2013 على إغلاق التنسيقيتين إغلاقًا كاملًا بتاريخ 20 نيسان 2013، وضم أعضاء منهما إلى المكتب الإعلامي التابع للمجلس المحلي للمدينة.

وعن سبب الخلاف والأسباب التي دعت إلى الاتفاق كان لعنب بلدي لقاء مع متحدثين عن التنسيقيتين «المنحلتين».
يقول «ح. م» أحد أعضاء «تنسيقية داريا – الشعب يريد إسقاط النظام» أن الخلاف في الواقع هو خلاف فكري, وأن فكر «الإسقاط» هو فكر ثوري لكن يميزه الالتزام بالدين وفق منظور أعضاء التنسيقية للدين الإسلامي, والذي يختلف -كما يقول- عن منظور تنسيقية «اللجان» للدين وفهمهم له. وبيّن أن منظور تنسيقية «الإسقاط» أقرب إلى المنهج «السلفي الأصولي», بينما منظور تنسيقية «اللجان» أقرب إلى مدرسة الأستاذ جودت سعيد أي كما سماه المنهج «الإسلامي الليبرالي أو العلماني», وأضاف « كان هذا سبب الخلاف الرئيس مع تطور أحداث الثورة في داريا، لكن الآن الوضع أصبح مختلفًا, إذ لا يبقى شيء ثابت ولابد أن يحصل تقارب ولو بسيط بين الطرفين لأن التجربة والأيام تعلم الإنسان ما كان يجهله.»
في المقابل قال «م. ح.» عضو «تنسيقية داريا – لجان التنسيق المحلية» أن التنسيقيتين كانتا على خلاف جوهري في صلب الثورة مابين العمل السلمي والمسلح. فبينما كانت تعتقد إحداهما بجدوى العمل السلمي وضعف موقف السلاح, كانت الأخرى تؤمن أن السلاح في مواجهة الأسد هو الحل الوحيد للانتصار في الثورة. ويضيف أنه بنشوء المجلس المحلي وانضمام بعض أعضاء التنسيقيتين إلى المجلس دون الانفصال عن التنسيقية أصبح هناك واقع مفروض على أعضاء المجلس جميعًا بالقبول بالحل العسكري كعامل مهم في انتصار الثورة, ودمج عمل التنسيقيتين ضمن المجلس لدعم الثورة في مدينة داريا. وخلال الحملة الأخيرة على المدينة مطلع تشرين الأول الماضي أصبح هناك تعاون ضمني بين كل من التنسيقيتين والمجلس المحلي في العمل الثوري في المدينة، مما ساعد على تقارب وجهات النظر ولو بشكل خفيف.

وقد ظل الخلاف موجودًا بعد انخراط أعضاء من التنسيقيتين في المجلس المحلي الذي شكل مطلع تشرين الأول الماضي, إذ تبادل الطرفان الاتهامات بهيمنة أحدهما على المجلس وتسلمه زمام الأمر فيه. وقد عمل العديد من النشطاء على إقناع التنسيقيتين بحل الخلاف بينهما والتوحد وأهمية هذه الخطوة وأثرها على العمل بشكل عام, إلى أن أطلق أحد الأشخاص المستقلين التوافقيين في المدينة بادرة قام بطرحها على الطرفين، تم إثرها تشكيل لجنة تحكيم بين الطرفين مكونة من عضو المكتب القانوني والشرعي (التابع للمجلس المحلي) رئيسًا لها وبعضوية أربعة من أبرز نشطاء المدينة، وتم تعيين موعد اجتماع الطرفين مع لجنة التحكيم والاستماع لآراء كل منها في 3 نيسان 2013, وبعد مداولات صدر بيان لجنة التحكيم بتاريخ 4 نيسان, واعتبرت القرارات الصادرة عن اللجنة ملزمة للطرفين وغير قابلة للطعن، وأودعت نسخة من البيان لدى المكتب الإعلامي التابع للمجلس المحلي وأخرى لدى لجنة التحكيم .
وقد نشرت التنسيقيتان «المنحلتان» على صفحاتهما على الفيسبوك عقب الاتفاق بيانًا موحدًا جاء فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم
«واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»
إرضاءًا لربنا ووفاءًا لشهدائنا وتوحيدًا لصفوفنا .
نعلن نحن تنسيقية (مدينة داريا الثورة السورية في ريف دمشق (الشعب يريد إسقاط النظام) – مدينة داريا لجان التنسيق المحلية)
وإيمانا منا بضرورة توحيد جهود العمل الثوري لتحقيق أهداف ثورتنا المباركة وأهمية العمل المؤسساتي في هذه المرحلة من عمر ثورتنا نعلن إغلاق صفحتينا على الفيسبوك  بتاريخ 20 نيسان 2013، وانضمامنا إلى المجلس المحلي، حتى نقف كلنا في خندق واحد في مواجهة نظام الكفر والإجرام. كما نعلن أن المجلس المحلي لمدينة داريا هو الممثل الرسمي للثورة في المدينة
الرحمة لشهدائنا والشفاء لجرحانا والحرية لمعتقلينا والنصر لثورتنا المباركة.
وأكد أعضاء من التنسيقيتين «المنحلتين» لعنب بلدي, أنه بالتزام الأطراف باتفاقية التوحيد أصبح العمل مركزًا بشكل أكبر، وتوحدت الجهود المبذولة لخدمة الأهالي والثوار والعمل الإعلامي في داريا، والتي ظهرت نتائجها مؤخرًا على شاشات القنوات الإخبارية، ومنذ دخل القرار حيز التنفيذ في العشرين من نيسان الجاري، وانضمام التنسيقيتين بأعضائهم إلى المجلس المحلي لمدينة داريا كل حسب اختصاصه، أصبح جو العمل «أكثر راحة وانسجامًا»، وخاصة بالنسبة لجمهور التنسيقيتين في داريا حيث بدا «إعجابهم وإكبارهم» لهذه الخطوة من خلال تعليقاتهم على صفحات الفيسبوك, إذ وصف بعضهم يوم التوحيد بأنه «يوم تاريخي» في مسيرة الثورة في داريا, وأنه من «أجمل» الأيام التي مرت على المدينة منذ بداية الثورة إذا «تصافت فيه القلوب وتوحدت فيه الجهود لصالح داريا بعيدًا عن التحزب والتعصب لأي فكر أو جهة.»
ويضيف عضو تنسيقية «الإسقاط» لعنب بلدي: «التوحيد كان حاجة وضرورة برأيي, لأن داريا أصبحت تعاني من التحزب والعصبية العمياء للإسقاط أو لِلّجان, ويجب أن تنتهي هذه الحالة من الفرقة, وبإذن الله انتهت بهذا التوحيد.»
ويتابع عضو في تنسيقية «اللجان»: «هذه خطوة مفصلية في العمل الثوري في داريا, وأحب أن أنوه إلى المحاولات المتكررة التي كانت تنشأ من قبل الأطراف جميعًا في توحيد العمل ولكن كانت تواجه بعض العوائق والحساسيات الشخصية, ولكن الأزمة الحالية علمتنا أن الاتفاق والوحدة هما السبيل لنيل الحرية التي طالبنا بها في ثورتنا المباركة. ويقول المثل الشهير: أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدًا.»

تابعنا على تويتر


Top