سنة وشيعة وفرس

محمد رشدي شربجي

عام 1953 دبرت أمريكا انقلابًا على الرئيس الإيراني المنتخب ديمقراطيًا محمد مصدق أعاد الشاه إلى السلطة من جديد، الشاه الذي كان من أوثق حلفاء أمريكا على الإطلاق أسس واحدًا من أقوى أجهزة المخابرات وأكثرها إجرامًا “السافاك”، أذاق الإيرانيين سوء العذاب حتى اندلعت الثورة الإسلامية 1979 وأطاحت بالشاه، الذي لم تستقبله أمريكا واستقبله السادات الموقع لتوه على اتفاقية كامب ديفيد التي رعتها أمريكا، واختطف الإيرانيون الغاضبون موظفي السفارة الأمريكية في طهران فيما بات يعرف بأزمة الرهائن التي امتدت لـ 444 يومًا أطاحت بالرئيس الأمريكي جيمي كارتر في الانتخابات.

في هذه الأثناء بدأ صدام حسين حرب الخليج الأولى (سماها صدام حرب القادسية، في حين سماها الإيرانيون الدفاع المقدس) والتي استمرت لثماني سنوات ذهب ضحيتها مليون إنسان، و400 مليار دولار أمريكي، لم تكن أمريكا غائبة عن هذه الحرب كما عن كل حرب، بل دعمت صدام بما تستطيع ودفعت حلفاءها الخليجيين لتمويل الحرب، في حين عقدت أمريكا نفسها اتفاقيات سرية لتزويد إيران بالسلاح (اتفاقية إيران كونترا) مقابل إفراج إيران عن ضباط أمريكيين مختطفين في لبنان.

كانت أمريكا حينها صديقة للعالم السني، زمن التقارير في الصحافة الأمريكية عن المقاتل النبيل أسامة بن لادن، والصواريخ الأمريكية المحمولة على كتف المجاهدين في أفغانستان، زمن مشايخ السلفية وهي تطوف أمريكا من أولها إلى آخرها لتجمع المساعدات والأموال للجهاد ضد السوفييت.

حرب الخليج الأولى أنهكت العراق، دمرت موانئه على الخليج العربي وأثقلته بالديون وزادت مشاكله مع الكويت، الحل عند صدام إذن ببدء حرب الخليج الثانية، عاصفة الصحراء لم تمهل صدام، فصواريخ أمريكا انهمرت على جيشه الهزيل عام 1991، وقواعدها العسكرية انتشرت في كل دول الخليج بعدها.

المجاهدون أصدقاء الأمس الذين أخرجوا السوفييت من أفغانستان، هم أعداء اليوم الذين فجروا برج التجارة العالمي في 2001، دمرت أمريكا في ثلاث سنوات نظام طالبان في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق، ألدّ أعداء إيران شرقًا وغربًا. وبرغم العداء بين البلدين بسبب الملف النووي وملفات أخرى، تعاون البلدان في العراق، إذ رأت أمريكا أن غزو العراق كان خطأ كارثيًا، ليس لأنه دمر العراق، وإنما بسبب كلفته الكبيرة بدون مردود مقنع، لم تعد إيران دولة الشرّ راعية الإرهاب، باتت بقدرة قادر الدولة التي يمكن التفاهم معها لضمان استقرار العراق وأفغانستان ودول أخرى، وهو ما توّج بالتحالف الأمريكي الإيراني في انتخابات برلمان العراق 2010 ضد إياد علاوي وهو ليبرالي شيعي مدعوم من سنة العراق، والذي فاز بالانتخابات لصالح المالكي سيئ الذكر والصيت الذي حل ثانيًا بالانتخابات.

فقد السنة ثقتهم بالعملية السياسية، ومع الحملة التي شنها المالكي المدعوم أمريكيًا ضد “الصحوات” ( وهي التجربة الناجحة الوحيدة حتى اليوم في الحرب ضد القاعدة) وفكّكها، بات التوجه نحو الحركات الجهادية (أو العدمية بتعبير أدق) خيار السنة المرجح.

سيطر تنظيم الدولة على الموصل في حزيران 2014، وهرب 65 ألفًا من جنود الجيش العراقي تاركين وراءهم أفضل العتاد الأمريكي، وساد أوساط المحللين السياسيين ومراكز الأبحاث العربية والدولية على السواء أن الحرب على التنظيم لا يمكن أن تتم بدون إدخال السنة في العملية السياسية من جديد، وأن استبعاد السنة وسياسة المالكي الطائفية هي المسؤولة عمّا وصل إليه العراق اليوم.

لم يدم هذا التحليل طويلًا، واكتشفت أمريكا بذكاء أن مكونات العراق تكره بعضها البعض، وأن “المنطقة تعاني من الحروب منذ ألف عام”، كما يقول أوباما، في تكرار لمقولة تناسب مرتادي القهاوي والحانات أكثر من رئيس دولة، ورأت أن الحل الأفضل والأسهل هو دعم من يريد حرب داعش بغض النظر عن مقدار انتهاكاته في مجال آخر، فالسنة لا يمكن الوثوق بهم، وهم حواضن للإرهاب يجب الحذر منهم، ودفعهم لمراجعة نصوصهم الداعية للإرهاب.

إنه زمن أمريكا صديقة العالم الشيعي، زمن التقارير اليومية في الصحافة الأمريكية عن انتهاكات السعودية لحقوق الإنسان، زمن إشاعات لا تهدأ عن اجتماعات يومية بين أردوغان وأبو بكر البغدادي، زمن مئات القوانين بوجه الحوالات المالية لأي سبب.

ولكن لماذا سنبقى ندور نحن العرب في فلك أمريكا، تارة سنة مع أمريكا ضد الشيعة، وتارة شيعة مع أمريكا ضد السنة، لماذا يسمي الآخرون أنفسهم أتراكًا وفرسًا وكردًا ثم نسمي أنفسنا سنة وشيعة؟ شيعة العراق عرب أيضًا، كما هم سنته كذلك، وفي نهاية المطاف نحن بالنسبة لإيران وتركيا والأكراد وأمريكا، عرب يقتلون عربًا آخرين.

تابعنا على تويتر


Top