ملاحظات يجب أن تقال في نقد الثورة السورية

عنب بلدي – العدد 64 – الأحد 12-5-2013

محمد طريف1
• باتت الآراء اليوم تقيّم تبعًا لجهة قائلها، فالفكرة بذاتها لا تعني شيئًا، لمَ نكلّف أنفسنا عناء دراسة الفكرة وتحليلها من جوانبها كافّة، الأسهل هو النظر إلى الجهة التي صدرت منها، وتقييم نواياها، وبناء موقف سهل تبعًا للجهة القائلة، لذلك لا تناقش الأفكار اليوم بقدر ما يشكّك بنزاهة أو يصادق على نوايا قائليها.
فالموقف الصادر من جهة «لا تدعم الثورة» (على فرض أنّ هناك من يدعم) أيًا كان التصريح، كلام مغلوط، لا أساس له من الصحّة، بينما الكلام الخارج من وزارة خارجيّة دولة تبدو إعلاميًا أنها مع الثورة، كلام لا غبار عليه.
يمكن مثلًا معاينة الطريقة التي يتم فيها تناول تصريحات وزارة الخارجيّة الروسيّة أو أحد مسؤوليها، فحديثهم دومًا باطل، ولا يحمل شيئًا من الصحّة، لا نتيجة تحليل وتفكير، بل فقط لأنّه كلام روسيا، الدولة الأولى الداعمة للنظام.
حتى إبليس صدق وهو الكذوب في عدّة مواطن، لذا لا يمكّن أن نسلّم ببطلان فكرة أو صحتها فقط لأنها صدرت من هذه الجهة أو تلك.
كما وتشجّع الشبكات الاجتماعيّة على ظاهرة اتخاذ المواقف بشكل متعجّل وسريع، وبناءً على رأي الأكثريّة، فما إن ينقل خبرٌ ما حتى يسرع الجميع إلى إعلان المواقف، والآراء، والخطوات اللازم اتخاذها.
بينما الحالة الصحيّة هي التريث والتأنيّ، وتحليل الخبر من زواياه كلّها، ورؤية ما له وما عليه، وسماع مختلف التحليلات والأراء أيضًا، وهذا يتطّلب عدّة أيام، لا عدّة دقائق.

• يتحمل النظام السوريّ مسؤوليّة كل شيء، كل ما يجري وجرى وسيجري، لسببين:
الأوّل: رفضه للإصلاح السياسيّ بدايةً، ثم للحل السياسيّ لاحقًا، وهذا السبّب جرّ البلاد ويجرّها إلى كل أشكال الخراب والدمار والمجازر والموت.
الثاني: مبادرته في استخدام العنف لقمع الحراك السلميّ، وتشجيعه على جرّ المواجهة إلى العسكرة، لحساباته الخاصّة.
ومن هذا المنطلق يتحمّل النظام مسؤوليّة كل الجرائم والمجازر التي تحدث على الأرض السورية، وكل الخيارات الأخرى الصعبة، بما فيها التدخّل الخارجي.

• هذا لا يتعارض في الوقت عينه أنّ ممارسات بعض الثوار، وبعض الكتائب المسلحة تدفع النظام إلى عمليات انتقام دمويّة، ويلعب الإعلام دوره في تضخيم الأرقام، وانتهاك حرمة الجثامين بتصويرها، وتبني تفسيرات طائفيّة بحتّة، هذا ليس تحميلًا للمسؤوليّة الأخلاقيّة، لكنه تبيان للحقائق، في أنه كان من الممكن تجنّب ذلك، لكن طيش البعض أحيانًا، وانعدام الخبرة أحيانًا أخرى، وانعدام الضمير الأخلاقي في بعض المواقف، كان يجرّ بعض المناطق إلى خيارات دمويّة كان من الممكن تجنبها.

• دعوات التطهير الطائفيّ والعرقيّ لن تخدم غرضًا عقلانيًا، إذ يتبنى قطّاع من الثورة اليوم لغةً عدميّة، فهو يريد محاربة الصفويين، والنصيرين، واليهود، والشيوعيين، والعلمانيين، والليبراليين، ولا تنتهي القائمة، المحاربة والمواجهة والاقتتالات المتخلفة لا تبني وطنًا، ولا تحمل مشروعًا، ولا تثمر خيرًا لأحد، بل يمكنها أن تحوّل الثورة إلى لعنة تاريخيّة للمنطقة بأسرها، لقد ذقنا الحرب لمدّة أشهر يسرة لا غير، ورغم ذلك نحمل في قلوبنا غصّات وويلات وجروح وندبات لا تعدّ، فلمصلحة مَن يراد أن تطول الحرب لسنوات طويلة، أو قرون ممتدة، وما الذي سنجنيه، سوى المزيد من الغصّات والجروح والندبات، التي لن تحلّ في نهاية المطاف إلا بتسويّة تخذل الجميع.
• يقال بأن المجتمع الدوليّ يتعلّل بحجّة عدم توحيد المعارضة السياسيّة، وعدم توحيد الكتائب المسلحّة، كي لا يتدخّل، ويحمل هذا الرأي مقدارًا كبيرًا من الوجاهة، لكنّه يُحمّل ما لا يحتمله، وهو إطالة أمد الحسم.
إنّ الحقيقة التي يراد طمسها اليوم بأن القصور الذاتي أساس المشكلة، في تأخر حسم الثورة السوريّة لنزاعها مع نظام الأسد، فرداءة أداء المعارضة السياسيّة، وتشرذم بل وتناحر الكتائب المسلحة أحيانًا، سبّب من التقهقرات، والخسائر، والانسحابات ما كان كفيلًا بحسم الصراع.
إن الدعم الروسيّ والإيرانيّ للنظام حقيقة لا جدل فيها، لكن معضلتنا في عدم اتفاقنا، وعدم توحدنا، فهو الذي يضعفنا أمامه.
لقد شهدنا في مناطق عدّة، كيف كان لتوحّد الكتائب، نتائج أشبه بالمعجزة، في صمودٍ أسطوريّ وإحراز انتصارات أكثر من كبيرة، وكيف أن مجرّد عدم اتفاق هذه الكتائب عينها بعد فترة، كان كفيلًا بتحقيق الإخفافات وسماع أخبار الانسحابات التكتيكيّة.

• يدور الحديث مؤخرًا عن إرسال قوّة حفظ سلام عربيّة، تشرف على سحب السلاح، ومنع ارتكاب مجازر على أساس طائفيّ انتقاميّ، كما تشرف على انتخابات نيابيّة ورئاسيّة مبكّرة.
وبغض النظر عن هذا الطرح رغم وجاهته، إلّا أن البعض اليوم يرفض الكثير من الحلول تحت شعار «حرمة الوطن» أو «التضحية لأجل الثورة» أو «نصرة الدين».
وهذا الكلام أكثر ما نسمعه من بعض رموز المعارضة «الشعب السوريّ مستعد لتقديم مئة ألف شهيد آخر وعدم الرضا بهذه الحلول»، «قدمنا وسنقدم المزيد من أبنائنا ولن نسمح…”
وربما سمعنا هذا الكلام من مالا يُشك بنزاهتهم وإخلاصهم وعملهم الدؤوب لأجلّ الثورة، لكن هذا لا يمنع عنهم الوقوع في الخطأ، كما لا يمنعنا أن نرى مغلوطتيهم.
فللأسف لا يزال البعض يرى أن اعتباريات الوطن أو الدين أهم من الإنسان وهمومه وعذاباته وآلامه. الذي نفهمه أنّ الدين أُنزل لخدمة الإنسان، لحلّ مشاكله، لا ليكون مشكلة عند الإنسان، نزل الدين ليحفظ الكليّات الكبيرة (النفس، العرض، العقل، المال) للإنسان، محور الدين هو الإنسان، فكيف يُدّعى اليوم بأنّ سلب الأنفس والأعراض والأموال هو لخدمة الدين أو لخدمة الوطن.
قال الرسول أن هدم الكعبة حجرًا حجر أهون عند الله من قطرة دم المسلم، وقال لبلال الذي كان يجلد «إن عادوا فعد» في إشارة لسبّه الله تحت جلد السياط، فالذي يهم بالدرجة الأولى هو الإنسان، آلامه وعذاباته وليس أيّة اعتبارات أخرى.
إنّ مشكلة التشرد والجوع ليست بأقلّ شأنًا من باقي المطالب، والرسول يقول ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره جائع إلى جانبه، ليست الثورة غرضًا لتحقيق مكاسب لطائفة من أبناء الوطن، وإنما لتحقيق خير الوطن كلّه، ويجب أن نضع هذا بعين الاعتبار.
لقد صُدرت حريّة الإنسان في ظل نظام الأسد، وصُدرت حقوقه، باسم المقاومة، والممانعة، والمواجهة مع إسرائيل، وخدمة الوطن، واليوم لا يأبه أحد لهذا الإنسان المعذّب المقهور، الذي يكاد يخرج خالي الوفاض من ثورة خاضها لتحصيل كرامته وحريته، يريدون أن يجرّدوه من آماله في حياة كريمة حرّة، بدعاوى جديدة هذه المرّة، تارة باسم «دماء الشهداء» وتارة باسم «الثورة»، الثورة جاءت وهدفها الإنسان، حريته وكرامته وعيشه، فكيف توضع اليوم في كفة مناقضة لذلك، فتكون الثورة هي المزيد من الآلام والعذابات والشقاء، لا يزال بإمكاننا تحقيق الثورة وأهدافها، دون أن نضعها في موضع تكون فيه مسببة لآلام الشعب وعذاباته وعبوديّته.

الأمر يحتاج إلى جرأة لتصحيح المسار، ولتغيير السياق الذي وضعت فيه الثورة اليوم

تابعنا على تويتر


Top